منتدى المعالي
الواجهة الرئيسة | رسائل SMS | أعلن معنا  
الجـوال معارض الصور الغرفة الصوتية الغرفة الصوتية الفلاشيات الصـوتيـات عليّة المَعالي عليّة المَعالي مجلة أجيال مجلة أجيال

اللهم عليك باليهود .. اللهم اجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف .. اللهم اهزمهم وزلزلهم .. اللهم اشدد وطأتك عليهم .. اللهم خالف بين كلمتهم .. وألق في قلوبهم الرعب .. وألق عليهم رجزك وعذابك إله الحق ..اللهم إن بإخواننا في (غزة) من الشدة والبلاء ما لا يعلمه إلا أنت .. ولا يقدر على كشفه غيرك .. اللهم ارفع عنهم ما نزل بهم من البلاء .. واكشف عنهم ما أصابهم من الضر .. إنك على كل شيء قدير .. وبالإجابة جدير ..




 
العودة   منتدى المعالي > المنتديات الإعلامية > وطـن القـراء > المكتبة الالكترونية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-02-2008, 01:28 AM   #21
رسن
 
الصورة الرمزية رسن



رسن is on a distinguished road

افتراضي


~


[ 15 ]

انهالت الاعترافات، حاول الحاخام سلانيكلي أن ينكر، لكن كيف ينكر التهمة وقد اعترف الحلاق والخادم وآل هراري جميعهم ويوسف لينيادو، كما وجدت بقايا الجثة، ومكان الجريمة وأكدت كل الشواهد والقرائن على ثبوت التهمة، كما حضر التحقيق الوالي بنفسه، وقناصل الدول وخاصة فرنسا والنمسا وإنجلترا، ثم أعلن الحاخام موسى أبو العافية إسلامه وتسمى باسم (محمد أفندي أبو العافية) وكان إسلامه ضربة قوية للتجمع اليهودي وللمخطط الصهيوني، الذي يسيرون عليه، إذ أن إسلامه يعني الاعتراف بالجريمة، والنفور منها، وإظهار الديانة اليهودية بمظهر يسيء إلى الإنسان وكرامته، وإلى تلك العقيدة.

وأخذ الناس يناقشون سر فساد اليهود، أهو لطبيعة موروثة فيهم؟؟ أهو بسبب هذه التعاليم التي اخترعها طائفة من الأحبار الحاقدين وتربت عليها الأجيال لقرون عديدة؟؟ أم هو الطمع اليهودي الذي يريد أن يستغل الناس، ويستولي على مقدراتهم، وينظر إلى غيرهم من الأمم (أبناء نوح) – كما يقولون – على أنهم دونهم من حيث الفكر والروح ووظيفة الحياة؟؟ أم لهذه الأسباب مجتمعة؟ هذا الجدل الحامي الذي ساد أنحاء دمشق والشام، انتقل إلى شوارع القاهرة وبعض المجتمعات الأوروبية، الجميع آمنوا بأن هؤلاء المخدوعين عنصر فساد، وأداة بغض، ورمز انحراف وضلال، وأن وجودهم خطر على البلاد التي يعيشون فيها، وجرت اتصالات كثيرة وعلى أعلى المستويات لإثناء الحاخام أبو العافية عن اعتناقه الإسلام، وبذلت له الوعود الخلابة أحياناً، والتهديدات أحياناً أخرى لكن الرجل أبى أن ينحاز إلى الضلال، وقال في ثقة:

- (لم يبق لي من العمر إلا قلة، وتجربتي الطويلة أثبتت فساد ما كنت مقيماً عليه من عقائد، إن الفكر هو سيد الموقف، وأنا أرى وأسمع وأقرأ وأناقش، دون التزامات مسبقة أو انتماءات قديمة، وقد وجدت أن الإسلام هو الدين الحقيقي، ولا يهمني - وقد وصلت إلى الحقيقة - أن يحكم عليّ القضاء بالموت أو يطلق سراحي، ولا أبالي أسخط اليهود أم رضوا، خسرت الملة اليهودية أم كسبت، إن ما أفكر فيه هو الحقيقة، وقد نزعت العصابة السوداء من فوق عيني، وانطلقت إلى عالم الحقيقة، حيث الحرية والنقاء والإخاء.. حيث الإيمان الذي لا لبس فيه ولا غموض ولا انحراف، قال شيخي المؤمن الجليل: (إن الإسلام يجُبّ ما قبله)، وهأنذا أولد من جديد برغم شيبي وممارستي للطقوس الرهيبة في الليالي الحالكة السواد.. نظرات البراءة في عيني القسيس توما تؤرقني.. دمه النازف يصرخ بي.. كنت أراكم يا معشر اليهود كالذئاب الجائعة وقد انقضّت على الفريسة، وإذا كان للذئب عذر في أن الفريسة هي طعامه، ومن حقه أن يلتهمها، فماذا كان عذركم، الفطيرة المقدسة؟ يا للمهزلة!! وما يحتويه الفطير من أسرار غريبة وتأثير سحري؟ يا للخرافة!! لن يعود الشباب يا داود.. ولن تنتصر أيها الحاخام العنتابي وتسود العالم، ولن تكسب الملايين يا هارون ولن تدخل الجنة يا يوسف لينيادو.. أيها الحمقى المخدوعون..).


وجلس الحاخام أبو العافية، أعني محمد أفندي أبو العافية، يسطر للوالي شريف باشا هذه الرسالة التي ما زالت مخطوطتها باقية. التاريخ يوم الثلاثاء في 7 محرم سنة 1256 هجرية، صورة تقرير محمد أفندي أبو العافية المحرر بخطه مرفوع للأعتاب الشريفة:

(حيث صدر الأمر الكريم، نحرر الذي نعلمه في قضية قتل البادري توما، وبما أني قد صرت من المؤمنين بالله تعالى ورسوله سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، يلزمنا أن نقول الحق.. إن الحاخام العنتابي (ربي) ديانة اليهود في الشام، تكلم معنا قبل الجريمة بعشرة أو خمسة عشرة يوماً.. وقال إنه يلزم له دم، كما أوصت الديانة اليهودية، وقد اتفق مع داود هراري وإخوته على تنفيذ ذلك في منزلهم.. الخ..).

واستطرد محمد أفندي أبو العافية في خطابه الطويل بلغة عامية ركيكة يصف تفاصيل كل ما حدث إلى أن قال في آخر خطابه: (والدم المطلوب عند اليهود لأجل الفطير الذي يصنعونه يوم وقفة عيدهم.. وقد فعل اليهود ذلك أكثر من مرة وقبض عليهم وسيقوا للحكام.. وهذا القضايا مذكورة في كتاب يتداول بين اليهود اسمه (سفر دهدوروت) حيث يزعم هذا السفر إنها تهمة باطلة.. ولا شك أن القضية المطروحة الآن تظهر الحقيقة جلية).

الآن عبدكم مستجير بالله تعالى ورسوله سيدنا محمد، وقد هدانا الله إلى دين الحق آملين العفو من مراحم دولتكم والأمر لمن له الأمر.. أفندم).

توقيع
محمد مسلماني
(الحاخام موسى أبو العافية سابقاً)





وعُقد مجلس كبير حضره شريف باشا وقناصل الدول والمحققون، وحدثت مواجهة بين محمد أبو العافية وربي ديانة اليهود بالشام الحاخام العنتابي، المحرض الأول على الجريمة، وكانت هذه الجلسة من نوع فريد، فقد أحضر أبو العافية كتباً يهودية، وأسفاراً وشروحاً قديمة وأخذ يستخلص منها العقيدة اليهودية المحرفة، ويعرضها أمام الحاضرين، ثم يناقشه فيه العنتابي، ويوافق عليها، وقد يزيد في شرحها. كما تقدم الكثيرون من الحاضرين ببعض استفسارات وأسئلة كثيرة أجاب عليها العنتابي وأبو العافية، وسجلت كلها في محضر الجلسة، ووقع الحاخامان بالعلم والموافقة، مذكوراً فيه المراجع والصفحة ورقم المقطع بصورة أذهلت الحاضرين من رجال الدول الأجنبية.. ومما قاله العنتابي:

- (إن كتب اليهود عادة تذكر في مقدمتها أن الكلام يختص بالدول القديمة منذ آلاف السنين، وفي ذلك خداع للناس وتعمية الأمر عليهم، والمقصود منها عدم إثارة المشاكل، والتمكن من طبع هذه الكتب في أوروبا، حتى لا تلفت نظر المسيحيين هناك، وفي معرض الحديث عن بعض الأماكن البيضاء في كتب اليهود والتي لا تكتب فيها كلمة أو عبارة، شرح الحاخامان أن المقصود من وراء ذلك، حذف اسم المسيح والمسيحيين، وهذا عرف متفق عليه بين علماء اليهود، فهم يستطيعون قراءة هذه الفراغات لكن غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى لا يعرفون..).



وكانت هذه الاعترافات عن العقائد المنحرفة الغريبة في الديانة اليهودية، أخطر بكثير من الاعترافات الخاصة بمقتل الأب توما وخادمه، وهذا ما أزعج الجالية اليهودية في الشام، بل في أوروبا أيضاً، إذ تحركت جمعية الاتحاد الإسرائيلي في أوروبا بسرعة مذهلة، لوقف التمادي في هذا الكارثة، ولم يكن أول طلباتهم إلا التوقف عن البحث في ديانة اليهود ومعتقداتهم، وحذف ذلك كله من محضر الجلسات، وكذلك فعل اليهود المقيمون في الشام وبغداد وغيرهما من الدول العربية وممتلكات الدولة التركية على السواء.



هكذا اكتملت عناصر الجريمة فكراً وتنفيذاً، وتعرى اليهود من فكرهم ودهائهم، ولم يعد هناك على الإطلاق محل للردّ العلني أو الإفلات بطريقة قانونية من المأزق الخطر الذي سببته قضية مقتل البادري توما وخادمه إبراهيم عمار..



وفرك (سانتي الصيدلي) صديق الأب توما يديه في غير قليل من الرضا وقال:
(دم البادري لم يذهب هباءً، وقد حانت ساعة القصاص.. وهذا يشفي نفوس المحزونين).






يتبع،، الفصل [ 16 ]،،


~

رسن غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-02-2008, 01:39 AM   #22
رسن
 
الصورة الرمزية رسن



رسن is on a distinguished road

افتراضي


~


[ 16 ]

ارتدت ملابسها السوداء، ووضعت خماراً شفافاً على وجهها الفاتن، وأخذت معها بعض الخدم، وانطلقت إلى سراي الحاكم تريد أن ترى زوجها في زيارة خاطفة، ولم تمتنع السلطات المختصة عن إعطائها ترخيصاً بذلك، وحينما جاء إليها زوجها، كان كالهيكل العظمي، تكسوه جلود شاحبة، وكانت عيناه غائرتين تفيضان تعاسة وألماً، هتفت في حزن:
- (داود).

- (كاميليا.. لشد ما تشوقت إليك!!).

- (أراك مريضاً..).

- (لقد تضعضعت تماماً يا حبيبتي.. لم أعد أحتمل..).

نزلت دموعها في صمت، نسيت كل شيء في ماضيها المضطرب، كان داود تمثالاً مجسماً من البؤس والشقاء وتمتم:
- (إني لا أرى معنى لحياتي المحطمة، ليتني أموت..).

- (لا تقل هذا الكلام..).

- (أنا رجل تقدمت بي العمر، ومن الحمق أن أكذب وأدعي الشجاعة..).

- (لكل شيء نهاية يا زوجي).

- (لشد ما أخاف هذه النهاية يا كاميليا).

وهز رأسه في أسف ولمس يدها في امتنان، ثم قال:
- (ما معنى أن يقضي الإنسان سنواته الأخيرة هكذا؟؟ إن رجلاً مثلي لم يخلق لعناء كهذا، إنني أبحث عن العزاء فلا أجده.. كل شيء حولي يجلله السواد.. المستقبل كالح الوجه، ذهبت نضرة الحياة وحلاوتها.. آه.. كلما فكرت فيما حدث أعجب من نفسي أشد العجب، لم يكن لكل ما جرى مبرر حقيقي.. ليست المسألة دماً وفطيراً مقدساً.. هنا في قلب الإنسان تكون التقوى أو يكون العناء).

أمسكت بيده في شدة وضغطت عليها في ثقة:
- (كن متماسكاً، لا يصح أن يتزعزع إيمانك..).

ابتسم في مرارة:
- (مازلت وسأظل اليهودي الصالح، لن أتخلى عن ديانتي، أنا قوي الإيمان لكني واهن الجسم.. حزين الفؤاد..).

ثم التفت إليها:
- (هل أحضرت شيئاً من شراب..).

- (وطعام.. أيضاً).

- (لا أريد طعاماً، صبي كأساً من نبيذ، وهات التبغ..).

تنهد في حسرة وهو يتناول منها الأشياء، ثم قال:
- (كيف أولادنا؟ إنهم لا يفارقون خيالي لحظة..).

- (أرسلتهم بعد الحادث إلى أقاربهم في بيروت.. ولم يعودوا حتى الآن.. إنهم بخير..).

سعل، ثم نظر إليها في تقدير:
- (ليس لدي شيء أخاف عليه سواكم.. وليس لي في الصبر باع..).

قالت في تلعثم:
- (أليس هناك من وسيلة للخلاص؟؟..).

- (الأمل في قلبي لا يموت..).

- (لِمَ لا تفعل شيئاً حاسماً لتنجي نفسك..؟؟).

كان ذكياً لا يفوته التلميح، وابتسم في مضض وقال:
- (أفهم ما تريدين قوله، تريدين أن أفعل ما فعله الحاخام أبو العافية).

قالت كاميليا في حرج:
- (نحن لا نفكر إلا في نجاتك).

- (مستحيل أن أفعلها).

ومال عليها هامساً:
- (أوروبا تحركت.. ولن يتركونا نضيع سدى..).

- (لم أعد أثق في أحد يا داود، ما المانع في أن تعتنق الإسلام ظاهرياً، وتفعل فعل اليهود؟؟ ألا تذكر يهود (الدونما) في تركيا؟ ألا تذكر آباء لنا أقدمين في أيام مجد الإسلام؟؟ كلهم فعلوا ذلك، وبقوا يهوداً مخلصين.. لم أعد أفكر في أحد سواك..).

تمتم في حسرة:
- (إني أتعذب عذاباً مهولاً.. لا أنام الليل.. تلهبني الأفكار القاسية، لكني لن أحيد شعرة واحدة عن ديانتي.. هناك شيء اسمه الكبرياء.. وهناك شيء اسمه الأمل في أن يعود المجد القديم.. لا تنظري إلى حالنا السيء هنا.. هناك في الخارج يهود حقيقيون يسيّرون دفة العالم، ويمسكون بأزمة المال، ويحركون السياسة.. إنها لصفقة خاسرة إذا أنا غامرت بترك يهوديتي..).

وكاميليا من عادتها أن تقف عاجزة أمام منطق زوجها داود وصلابته، لا تستطيع في يوم من الأيام أن تفند دعاويه، أو تخـَـطـّـيء رأيه، التفكير الجاد يرهقها، تكره الصراع والمقاومة في مجال الرأي، وتكتفي بأي شيء، وتؤمن سريعاً بقول محدثها متى رأت فيه الإصرار، ووجدت لديه المنطق والحجة، أية حجة..
همست في حيرة:
- (لماذا نعيش؟؟).

- (أجيبي أنت يا كاميليا).

- (لننعم بالحياة..).

ضحك ضحكة مُرّة وتمتم:
- (أنا لم أنعم بالحياة قط.. الذهب في يدي وأريد المزيد.. الطعام كثير.. وأحلم بشيء آخر، لديّ البنات مع البنين لكني أشعر بالحاجة والفقر.. أنفق أحياناً عن بذخ.. ولا أستسيغ لذة في ذلك.. ما معنى ذلك يا كاميليا؟ نعيم الحياة ليس هو مصدر السعادة، وظني أن ممارسة الحياة هي السعادة.. أن أحيا وأفكر وأمرض وأشفى وأشبع وأجوع وأتعب وأستريح.. تلك هي السعادة.. هذا ظني..).

لم تفهم كاميليا شيئاً، التصقت به، ضمته إليها في حنان بالغ، شعرت بنتوءات عظامه تغوص في لحمها الطري، تألمت في عمق، أحزنتها حالته التعسة، وتدهوره البشع، أي عذاب بعد ذلك؟

تمتم في انفعال:
- (إذا أنا مت فلا تحزني كثيراً.. أعرف أن النصح في مثل هذه الأمور لا يفيد، لكني أقولها لك صادقاً.. عودي إلى الحياة وانتصري على سخافاتها.. كوني أنت الأم والأب للأسرة).

عادت الدموع إلى عينيها:
- (لا تفكر في أمر كهذا يا داود..).

رد في حسرة:
- (يا إلهي.. إني أتخبط.. يبدو أنني لا أحسن الكلام في هذه الأوقات..)

جفف لها دموعها وربت على كتفها وقال:
- (القتل في كل وقت.. وكل مكان. لست أدري لماذا هذه الضجة كلها من أجل البادري؟ بالأمس أهلكت الحرب الكثيرين، مات رجال.. وأطفال.. وقساوسة.. وشيوخ ويهود.. هل القتل الجماعي مباح وحده..؟؟).

نظرت إلى زوجها في دهشة، إن كلماته عجيبة، يبدو أن تفكيره قد اختل، أيريد أن يرتكب الناس جرائم القتل دون حساب أو عقاب؟!

قالت مستغربة:
- (هل لو قتل أحد من عائلة هراري.. أكنتم تسكتون..؟؟).

ضحك داود في بلاهة وقال:
- (بالطبع لن نسكت.. فرجل من أبناء هراري يختلف عن أي رجل آخر..).

- (لكننا أمام القانون سواء..).

- (إنه قانون ظالم..).

- (كيف؟؟).

- (لقد خلقنا الله أسياداً وحكاماً للعالم، والله في سمائه يبكي من أجلنا ويذرف الدموع حتى..).

قالت في شيء من القلق:
- (كف عن هذا الكلام الآن يا داود..).

نظر إليها قائلاً:
- (يوسف هراري يحتضر.. ويوسف لينيادو مات بالأمس من شدة المرض.. مات البادري فليذهب إلى الجحيم.. وأسلم أبو العافية، العار كل العار له.. وأفشى سرنا مراد وسليمان عليهما اللعنة الأبدية.. سننتظر المسيح الحقيقي القادم هو وفرسانه راكبين الإبل والجياد، وبكاؤنا على أورشليم الخراب سيظل مستمراً حتى..).

وقالت مقاطعة:
- (ويحك! العسكر ينظرون إليك..).

وجاءهما صوت الحارس:
(انتهت الزيارة..).

نظرت إليه في حسرة، وجرّت حطامها، وعادت إلى الطريق.



دمشق تعج بالحياة، والناس البسطاء يمرحون ويأكلون ويشربون، والأغنيات الشعبية – برغم مسحة الحزن – تعمر الطريق، ضحكات تشق عنان السماء.. ورجل نصف عار يتغنى بمدح الرسول، وصبايا في الشرفات يرددن أهازيج الحجيج.. ومئذنة عالية تسمو صوب السحاب وعليها رجل يؤذن للصلاة.. وكنيسة أجراسها تدق، ومزاد علني يرتفع فيه صوت الدلال، والعالم يسير، وأطفال صغار يجلسون في شمس الشتاء الساطعة يقرأون في المصاحف.. الكتب المقدسة في أيدي الأطفال، يا إلهي.. لا أسرار ولا غموض.. الدين للجميع.. ليس هناك أسرار مخبأة في دهاليز مظلمة، وليست هناك طقوس خاصة بالأحبار الكبار أو الحاخامات العظام.. المصحف يقرؤه الصغير والكبير، أكان أبو العافية على حق حينما اعتنق الإسلام؟؟ هذا ما كانت تفكر فيه كاميليا وهي تدلف إلى حارة اليهود..

كان أحد اليهود يقترب منها وهي تمشي في الحارة ويقول:
- (كيف حاله؟).

همت أن تقول لهم إنه في أسوأ حال، وإنه نصف مجنون، لكنها ضحكت ساخرة، وقالت شيئاً آخر، قالت في اعتزاز:
- (داود كالجبل الأشم.. إيمانه أقوى من إيمان الحاخامات العظام).

ولجأت إلى حجرتها فور وصولها، وهربت من الحقيقة المرة إلى النوم العميق، ولم تفق إلا في اليوم التالي، حينما جاءت إليها الخادمة أستير وقالت:
- (سيدتي.. إني راحلة..).

نظرت كاميليا إلى أستير، كانت تحمل في يدها صرة ملابسها وترتدي ثيابها الكاملة، وتمتمت:
- (إلى أين يا أستير؟؟).

- (سأذهب إليه.. إنه ينتظرني.. وسأرحل معه إلى مكان آخر، لم يعد لنا عيش في هذا المكان).

كانت آثار النوم عالقة بأهداب كاميليا، ومع ذلك فقد فهمت بعض ما تقصده الخادمة، وتساءلت:
- (من الذي ينتظرك؟؟).

- (مراد..).

- (كيف..؟؟ إنه في السجن..).

- (لقد صدر العفو عنه هو وسليمان الحلاق.. وغادرا السجن..).

قالت كاميليا وقد وثبت من سريرها:
- (وداود.. ما مصيره؟؟).

قالت أستير متلعثمة:
- (وتم العفو عن أبو العافية..).

- (وداود؟؟).

طأطأت أستير رأسها.. ولم تنطق.
- (تكلمي يا أستير..).

- (لا أعرف.. غير أنهم قالوا إن يوسف هراري مات بالسكتة القلبية..).

ووقفت كاميليا شاحبة، وقالت:
- (هل مات داود هو الآخر؟؟).

- (لا إنه حي.. بكل تأكيد..).

- (لم لا تقولين ذلك منذ البداية؟؟).

وسادت فترة صمت قالت أستير بعدها:
- (أنا لا أتخلى عنك يا سيدتي، لكن الرحيل أمر ضروري.. هكذا يريد مراد الفتال.. والخير أن نرحل..).





يتبع،، الفصل [ 17 ]،،


~

رسن غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-02-2008, 01:43 AM   #23
رسن
 
الصورة الرمزية رسن



رسن is on a distinguished road

افتراضي


~


[ 17 ]

عاد محمد أفندي أبو العافية (الحاخام أبو العافية سابقاً) إلى بيته، كان يمشي في حارة اليهود مرفوع الرأس، وكانت النظرات المسددة إليه كأنها سياط حارقة تلهب جسده، ومعاني الحقد تنصب عليه من كل جانب، ولم يجرؤ أحد من اليهود أن يرفع صوته بكلمة.. لكن الأمر كان مختلفاً تماماً عندما بلغ بيته.. اجتمعت الأسرة من حوله، كانوا فرحين بنجاته، قلقين مضطربين من أجل ما حدث، وكان هو يدرك صعوبة الموقف.. وتبادلوا العناق والقبلات، وقال ابنه بعد فترة وجيزة:
- (يا أبي كيف تركت الديانة..؟؟).

قال أبو العافية في ثقة:
- (لقد اخترت طريقي.. وأنا لم أترك الديانة لأسقط في فراغ، ولكني تدينت الديانة الحقيقية حسبما أعتقد الآن..).

ردّ الابن:
- (لندع الحق والباطل الآن.. المهم سمعتنا وشرفنا بين اليهود..).

ابتسم محمد أفندي أبو العافية وقال:
- (أمام الله في الآخرة.. سوف نقف فرادى، لن يحمل أحد عن أحد عقابه، ولن يشفع حاخام لرجل أو امرأة من أتباعه.. بل سيتحمل أوزاراً على أوزاره، دون أن ينقص ذلك من أوزار تابعه.. فلتمت كل السخافات القديمة التي أفنيت فيها عمري.. أيها الأبناء.. من اليسير أن يضحي المرء بنفسه ويتقبل الموت بشجاعة، وقد كنت على وشك أن أفعل ذلك، لكن يجب أن تدركوا أن الشجاعة الحقيقية هي أن تنتزع نفسك من عفن الماضي الذي درجت عليه، الشجاعة أن تختار، والجديد دائماً يبعث على الشك والخوف.. لكي تكون مسلماً لابد أن تكون حراً شجاعاً، عندئذ تصل إلى الجنة الحقيقية..).

ثم أخذ يخاطب أفراد بيته واحداً واحداً، حتى الأطفال كان يحادثهم، لم يجب أحد، وقفوا صامتين حائرين، عندئذٍ قال:
- (أنا لا أفكر في الشكليات والمظاهر التافهة.. لا يهمني ما يقوله اليهود أو غير اليهود.. القضية قضية حق.. أو باطل.. خطأ أو صواب.. وأنا اخترت ما أعتقد أنه حق وصواب وليكن ما يكون.. ذلك جوهر الأمر كله..).

ثم نظر إليهم مرة أخيرة، وقال عبارة جامعة فاصلة:
- (يا أهل بيتي.. لسوف أغادر حارة اليهود إلى الأبد.. سأغادر حارة اليهود.. أتفهمون؟ ومن أراد منكم أن يتبعني.. فليتبعني.. وسأعيش هناك، إلى جوار المسجد الأموي العريق.. وعندما يؤذن المؤذن للصلاة،
فسأكون إلى جوار المنبر في الصف الأول..).

وتركهم وانصرف.





يتبع،، الفصل [ 18 ]،،


~

رسن غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-02-2008, 01:47 AM   #24
رسن
 
الصورة الرمزية رسن



رسن is on a distinguished road

افتراضي


~


[ 18 ]

وعاد سليمان الحلاق هو الآخر إلى بيته، استقبله أهله بحرارة بالغة، لم يعتب عليه أبوه، ولم تلمه زوجه، بل فتحت ذراعيها لاستقباله، اليهود في الحارة يدركون أنه فتح الباب للفضيحة، وشهد ضد إخوانه، ولم يستطع أحد أن يسد الثغرة التي فتحها بيديه، ولم يكترث لذلك كثيراً، فهو وحده يعلم الظروف القاسية التي رزح تحت أعبائها، وليس حريصاً على أن يلتمس المعاذير لنفسه أو يشرح وجهة نظره لليهود، ولا يفكر مطلقاً في أن يدافع عن انهياره، سيان عنده أن يقول الناس لقد ضعف سليمان وخان الأمانة، أو يقولوا كان الله في عونه، لقد تحمل أقصى ما يستطيع، ولطاقة الاحتمال لدى الإنسان حدود.. فليقولوا ما شاءوا، لقد أراد أن يتخلص من هذه الورطة، وخرج إلى الوجود من جديد، الحياة عند سليمان أثمن وأعظم من المبادئ.. أروع شيء أن يعيش الإنسان، أما الموت والسجن فكلاهما أمر رهيب، من الصعب أن يطيقه البشر.

قالت له زوجه:
- (فيم تكفر يا سليمان؟؟).

قال بوضوح لا كذب فيه ولا زيف:
- (أفكر في نفسي وبيتي..).

قالت ببساطة:
- (هذا عين العقل..).

أردف سليمان شارداً:
- (وتعلمت شيئاً لا أنساه مطلقاً..).

- (ماذا..؟؟).

- (الأمن هو أعظم ما في الحياة..).

- (أجل..).

- (ولا يهم بعد ذلك يا زوجتي أن يكون الإنسان غنياً أو فقيراً، الأمن كنز ثمين وسعادة كبرى..).

قالت:
- (أو تعتقد أن اليهود سيتركونك في حالك..؟؟).

قال في ثقة:
- (لن يجرؤوا على أن يفعلوا شيئاً، لقد اعترفنا جميعاً.. ولا يجهل أحد الظروف التي أرغمتنا على إظهار الحقيقة..).

قالت وهي ترمقه في تساؤل:
- (ظنوا أنك على وشك أن تعتنق الإسلام كما فعل أبو العافية).

رد بهدوء:
- (لم أفكر في ذلك بعد أن وعدوني بالعفو.. كنت أريد العفو بأي ثمن وقد حصلت عليه).

قالت:
- (معنى ذلك أنك..).

قاطعها قائلاً:
- (أجل لو لم يكن هناك من وسيلة لأنقذ نفسي سوى الإسلام لفعلت، لكن الظروف لم تلجئني إلى ذلك لحسن الحظ.. قلت لك إن حياتي وأهل بيتي أهم لدي من كل مبادئ الدنيا..).

اقتربت منه ثم التصقت به وهمست في أذنه:
- (إني لجد سعيدة بأنك لا تفكر إلا في نفسك وأهل بيتك..).

نظر إليها في شوق ولهفة ثم توجه إلى أبنائه وقبلهم في حرارة وقال:
- (اذهبوا إلى جدكم في الحجرة الثانية..).

وأردفت زوجه:
- (هيا يا أحبائي.. أبوكم متعب ويريد أن ينام..).

عندما انصرف الأبناء قال سليمان في توتر:
- (ها قد عادت الأيام يا زوجتي.. وكان يجب أن تعود.. وبأي ثمن..).
ثم ضمها إلى صدره في شوق جائع..



وفي اليوم التالي ذهب إلى حانوته، في الطريق لاحقته العيون والتعليقات الهامسة، بعضهم اقترب منه وصافحه، وآخرون بصقوا على الأرض بالقرب منه، تناثرت من حوله كلمات بذيئة، تجاهل السخافات والتعليقات الجارحة، ثم فتح باب الحانوت، أزال الغبار عن المقاعد والآلات والنوافذ، وجلس ينتظر، وبقي فترة طويلة، دون أن يأتي إليه زبون ليحلق شعره، ليكن فالأمر يحتاج إلى وقت، وكثير من الناس لم يعلموا بنبأ خروجه، وكثير من اليهود سيقاطعونه بالتأكيد، هذه المقاطعة لن يعبأ بها، والزمن كفيل بمحو الكثير من سوء الظن.. وليس عليه سوى الصبر.. وقبيل الظهر فوجئ سليمان بأعداد كبيرة من الناس تهل عليه.. ابتسم خفية.. ثم بدأ يمارس عمله وسط الصمت المتوتر.. وبعد فترة لا يدري سليمان أطالت أم قصرت، وكان يحلق شعر طفل صغير، قال الطفل:
- (حاذر.. إياك أن تذبحني كما ذبحت البادري.. إنني أخاف منك خوفاً شديداً..).

وضجّ جميع الحاضرين بالضحك.

- (أنا لم أذبحه يا بني..).


وكان هذا الحديث العابر بداية لنقاش طويل، انهالت الأسئلة والاستفسارات على سليمان الحلاق، كان حذراً، حاول أن يهرب من الإجابة، ولم يشف شغفهم للحديث وكان يقول:
- (أنا رجل حلاق مسكين لا دخل لي بشيء..).

- (كيف مات يوسف لينيادو يا سليمان؟؟).

هنا استطاع أن يجيب:
- (كان مريضاً فمات.. لا دخل لأحد بموته.. لا تصدقوا ما يشاع، إنني أقول الحقيقة.. لم يتعرض لأي أذى..).

قال زبون يجلس قرب الباب:
- (وهناك شائعة تقول إن يوسف هراري هو الآخر مات..).

ردّ سليمان:
- (تركته مريضاً يصعد أنفاسه في صعوبة.. إن الشيخوخة والمرض لا يمكن أن يدعاه يعمر طويلاً.. أنتم تعلمون أنه مريض منذ زمن بعيد.. وأنا لا أكذب شائعة موته لقد تركته يحتضر..).

واقترب أحد الزبائن من سليمان وهمس:
- (أنت نذل..).

نظر إليه سليمان في رقة، لم يثـُر أو يحتد، وإنما قال:
- (سامحك الله..).

- (كان الأوفق أن تجلس في البيوت مع النساء..).

- (أنا لا أنقم عليك ولكني أرثي لحالك.. ولن تفهم لغتي لسبب بسيط، هو أنك لم تخض التجربة).

ثم التفت سليمان إلى الحاضرين وقال:
- (من عليه الدور في الحلاقة يتقدم..).


وواصل سليمان عمله دون اكتراث، لكنه لاحظ أن كثيراً من الأولاد والنسوة والفتيات والفتيان كانوا يمرون في الشارع أمام حانوته، ويسترقون النظر إليه، وكان سليمان يرى من خلف البراقع فضولاً كبيراً، وحاول ألا يهتم بذلك.


وفي المساء دُق باب بيت سليمان، وقال لزوجه في إصرار:
- (لا تفتحي الباب لأحد..).

- (لعله أحد الأصدقاء..).

- (ليس لي أصدقاء، ليذهبوا إلى الجحيم..).

- (لعله مريض يريد علاجاً منك..).

- (لن أمارس مهنة الطب بعد اليوم، تكفيني الحلاقة، ولن أذهب لبيت أحد، ولن أغادر بيتي في المساء لأي سبب كان..).

لكن الدق مستمر على الباب، قالت زوجه:
- (لسوف أذهب لأرى من الطارق دون أن أفتح الباب..).

عندما ذهبت إلى الباب هتفت بصوت خفيض:
- (من؟؟)

وجاءها صوت في الخارج:
- (افتحي.. أنا مراد الفتال.. افتحي.. إنني أعرف أنه هنا.. أريده لأمر هام..).

ترددت برهة، لكن سليمان أشار إليها بأن تفتح، ودخل مراد ومعه أستير، قال مراد:
- (حكموا على الباقين بالإعدام..).

قال سليمان ببرود:
- (هذا لا يهمني في كثير أو قليل..).

- (وأنا سأغادر دمشق.. أنا وأستير..).

قال سليمان هذه المرة دون اكتراث:
- (رافقتك السلامة..).

- (وأريد منك قرضاً بسيطاً..).

ضحك سليمان في سخرية:
- (خاوي الوفاض يا حبيبي..).

- (قلت لي في السجن إن لديك بعض المال المدخر..).

هتف في جفاف:
- (لا أريد أن أراك ثانية لقد انتهى كل ما بيننا..).

تساقط العرق على جبين أستير، وارتبك مراد، ثم وقفا، متجهين صوب الباب وبعد أن أغلق سليمان الباب، ضحك في شماتة وقال:
- (لم أعد أكترث لشيء، ولم أعد أعترف بشيء اسمه الصداقة أو الأخوة.. إنني لا أرى حولي إلا وحوشاً في غابة، هكذا الناس.. إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب.. هلمي إليّ يا زوجتي الحبيبة.. لقد أحرقني الخوف والحرمان وأريد أن أعيش.. أعيش لنفسي.. وليخرب الكون كله، وليذهب جميع حاخامات العالم إلى الجحيم.. ولتخرب أورشليم ألف مرة.. سيّان عندي إذا عاد المسيح الحقيقي أو لم يعد..).






يتبع،، الفصل [ 19 ]،،


~

رسن غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-02-2008, 01:53 AM   #25
رسن
 
الصورة الرمزية رسن



رسن is on a distinguished road

افتراضي


~


[ 19 ]

ألقي القبض على أغلب المتهمين في قضية مقتل الخادم إبراهيم عمار، وتم فيها التحقيق على وجه دقيق، وصدر الحكم بإعدام المتهمين الذين ثبتت إدانتهم مثلما حدث في قضية الأب توما، وارتاح جمهور الناس لهذه الأحكام الرادعة العادلة..

وفي الرابع من صفر عام 1256هـ الموافق 22 أبريل سنة 1840 أرسل جناب قنصل فرنسا إلى الوالي شريف باشا خطاباً هذا نصه:

(أخبرت دولتكم بإفادتي نمرة 22 بأنه جاري دسائس خفية بخصوص اليهود المحبوسين، وقد علمت أن اثنين يهوديين أحدهما يدعى (ألياهو نحماد) من حلب والآخر (بتشوتو) الذي ورد اسمه في التحقيقات من قبل، وعدا أحد الرجال المشتركين في التحقيق بأن يعطياه مبلغاً كبيراً من المال، لكي يقول أقوالاً مخالفة لما جاء في أقوال المتهمين حتى الآن، وقد وعدوه ببعض آلاف الريالات، وحماية قنصلية، واقتضى تحريره..).

الكونت دي راتي مانتون – قونسلوس دولة فرانسا بالشام.




وردت مكاتبة أخرى من جناب القنصل إلى الباشا تحت رقم 22 مكرر يقول فيها:

(دولتلو أفندم..
من الواجب أن أضيف على كل ما ذكرته بتحريري السابق نمرة 22 المتعلق بمداخلات اليهود ودسائسهم، أن أحدهم طلب من أحد المنتمين لدولة أخرى غير الدولة الفرنساوية أن يجتمعا مع (شبلي أفندي) – موظف في القنصلية الفرنسية – ليتداولوا في قضية مهمة، فصرحت بهذا الاجتماع حباً في الوصول لمعرفة السبب، فقدم اليهودي هذه الطلبات الأربعة:

أولاً: التوقف عن ترجمة الكتب العبرية لأن ذلك مخل بحقوق الأمة اليهودية.

ثانياً: ألا يصير وضع هذه الترجمة أو شيء آخر يختص باليهود في دوسيه (ملف) القضية بل يلزم إعدام أو إتلاف كل ما ترجمه موسى أبو العافية (محمد أفندي أبو العافية).

ثالثاً: أن يصير التوسط لديّ لكي أستحصل من دولتكم على الإفراج عن أحد المتهمين (المعلم روفائيل فارحي)، وهو متهم في قضية الخادم..

رابعاً: أن تجري الوسائط لإبدال جزاء الإعدام المحكوم به على المتهمين بأي عقوبة أخرى.. وبعد انتهاء ما تقدم ذكره يصير دفع خمسمائة ألف قرش (خمسة آلاف دينار عثماني ذهباً) منها مائة وخمسون ألف وقت التصريح بالرضا، والباقي عند نهاية القضية، وإن موظفنا شبلي مفوض في توزيع هذا المبلغ حسبما يراه موافقاً (..........................)

ولديّ كيس به بضعة آلاف من القروش أحضره أحد اليهود، وقد حفظته بصفة أمانة لحين إجراء التحقيق.. الخ).

إمضاء
الكونت دي راتي مانتون – قونسلوس فرانسا بالشام.



وبناء على هذه الإفادات بدأ تحقيق آخر في قضية الرشوة التي أخطر عنها القنصل الفرنسي، وكانت الإدانة واضحة جلية.





يتبع،، الفصل [ 20 ]،،


~

رسن غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-02-2008, 01:40 AM   #26
رسن
 
الصورة الرمزية رسن



رسن is on a distinguished road

افتراضي


~


[ 20 ]

كانت كاميليا على علم تام بما يجري من محاولات لإنقاذ المتهمين المحكوم عليهم بالإعدام، وكانت على اتصال بكبار اليهود الذين تزعموا هذه العملية، وخاصة بتشوتو، اليهودي الذي اتهم في قضية الخادم إبراهيم عمار، وشهد عليه الشهود، والذي ظل يتمتع بقسط كبير من الحرية لأنه تحت حماية دولة النمسا.. ولم يفارق (كاميليا) قلقها طوال هذه المدة.. لأنها تخاف المفاجآت، ما يحدث لو فوجئت ذات يوم بجثة زوجها تسلم إليها كما حدث ليوسف هراري، ويوسف لينيادو؟؟ كانت تغمض عينيها عندما ترد هذه الخواطر على ذهنها، وتحاول جاهدة أن تبعدها عنها.. إنها بالتأكيد اليوم لا تريد لزوجها أن ينتهي تلك النهاية المحزنة، هل هي تحبه؟؟ سؤال صعب الإجابة، أهي تكرهه؟ مثل هذه الأسئلة لم تكن تستطيع في الحقيقة أن تجيب عليها بكلمة واحدة حاسمة، لا تستطيع أن تقول (لا) أو تقول (نعم) خالصة من الظلال أو الغموض.. بالأمس كانت تخونه، وكانت تدرك أن هذه الخيانة لها معنى سيء يرفضه المجتمع، ويزعج زوجها لو علم بها، كانت مؤمنة أنها تفعل فعلاً خاطئاً لكنها – مع ذلك – كانت تفعله، وكانت تفترض أن زوجها رافض له، بل قد يسفك دمها لو علم به، وتتصور زوجها غاضب الوجه، مشمئز النظرات، يريد أن ينشب فيها أظافره وأنيابه، كذئب شرس، هذه الصورة المتخيلة لزوجها كانت تثير الكراهية له في نفسها، أما زوجها الذي تعايشه وتخاطبه، ويرق لها ويبتسم عند رؤيتها، ويحاول مراضاتها بشتى الطرق، فهو نموذج آخر غير النموذج المتخيل الرهيب، لم تكن تحمل لتلك الشخصية الباسمة الرقيقة كراهية ولا حقداً، كان زوجها إذن شخصيتين لا شخصية واحدة، وكانت تكره واحدة منها وتحترم الأخرى، وكانت تهرب من هذا التمزق النفسي العنيف إلى الخمر وإلى أحضان الخادم، ويوماً كان لها فلسفة غريبة مفادها أنها تحب زوجها لكنه لا يؤدي معها وظيفة الرجل، وكانت فلسفتها الغريبة تزعم لها أن لها الحق في أن تسد الفراغ القاتل في حياتها، أو النقص القائم في زوجها بأية طريقة، ولو مع خادم.. وما أن جاءت الكارثة، وأُخذ زوجها إلى السجن حتى شعرت بالحرية.. ذاب خوفها ولم تعد تخاف رجلها الشرعي.. فانطلقت تعربد حتى أفاقت على الحقيقة المرّة، حينما أمسكت بها الخادمة أستير وهي في الوضع الشائن، بعدها أفاقت إلى نفسها، أخذت الصورة الكريهة لزوجها تذوي مع الأيام، وانصرفت إلى تتبع المأساة، وبعد فترة لا تدري أطالت أم قصرت، وجدت نفسها تقدس ذكرى زوجها وأياديه البيضاء عليها، وتعودت على الصوم.. ربما عانت الكثير في أيام صومها الأولى لكنها الآن تستطيع أن تصمد.. ومن آن لآخر تراودها خيالات اللذة الآثمة، لكنها سرعان ما تثوب إلى رشدها، وتستمر في صومها، صوم الجسد عن المحرمات.. هي لا تنكر أن لها مع زوجها مأساة من نوع خفي يجهله الناس، وتعرفه هي تمام المعرفة، لكن علاج الأمر لا يكون بالجنوح إلى الرذيلة، أليس بإمكانها أن تنفصل عنه، وتبحث لها عن زوج آخر؟ إن هذا التصرف برغم صعوبته وآثاره المؤلمة قد يكون أليق بها كإنسانة تؤمن بالقيم المتوارثة، والأخلاق المتعارف عليها، وبرغم كل ذلك فهي الآن لا تنظر إلا إلى الرجل الذي يذوي وينتحب خلف القضبان، تريده أن يحيا أولاً، وأن يعود إليها ولتترك ما بقي إلى الله..


انزعجت (كاميليا) حينما علمت أن الوساطة قد باءت بالفشل، وأن التحقيق قد بوشر في القضية الجديدة، قضية الرشوة التي أبلغ عنها قنصل فرنسا، وكانت تعلم كما يعلم الناس أن شريف باشا والي دمشق صعب المراس، وأنه قد يصدر أمره في أي وقت من الأوقات كي ينفذ عساكره الحكم الصادر ضد اليهود، ولذا كانت تجري هنا وهناك وتلتقي ببعض رجالات الدول الأجنبية، وتوعز إليهم أنه إذا لم تكن هناك وسيلة لإنقاذهم فسيضطر بيت هراري كله نساءً ورجالاً إلى اعتناق الإسلام، حتى يفلت الرجال من حبل المشنقة، وفي ذلك عار كبير لليهود واليهودية، ولم يأل اليهود وسعاً في البحث عن وسيلة..
وكاد الحكم أن ينفذ لولا أن قنصل فرنسا رأى أن يُرفع الحكم للتصديق عليه من إبراهيم باشا بن محمد علي، وفي هذه الأثناء جدت أمور مثيرة..





يتبع،، الفصل [ 21 ]،،


~

رسن غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-02-2008, 01:53 AM   #27
رسن
 
الصورة الرمزية رسن



رسن is on a distinguished road

افتراضي


~



[ 21 ]

تأزم الموقف، وخاصة في أوروبا، إذ أقام اليهود الدنيا وأقعدوها، بتحريض من جماعة الاتحاد الإسرائيلي في أوروبا، وكان قناصل الدول يرسلون بتقارير وافية إلى عواصم دولهم، عن هذه القضية، ورأى كبار اليهود في أوروبا أن يحاولوا بشتى الطرق وقف تنفيذ الحكم لفترة يستطيعون خلالها أن يجدوا حلاً.. ولن يستطيعوا تعويق القضية إلا بدفع مبلغ كبير من المال لمحمد علي شخصياً، والاستفادة من بعض الضغوط السياسية العالمية، وخاصة أن محمد علي باشا، حاكم مصر والشام في تلك الفترة، يقاوم تياراً جارفاً من العداء التركي وبعض الدول الأوروبية، وكان اليهود الأوروبيون ينظرون إلى القضية على أنها أمر يمس الديانة ومستقبلها، ويمس اليهود ككل في أنحاء العالم الإسلامي والمسيحي، وليس الأمر مجرد عشرة أفراد حكم عليهم بالإعدام، في قضيتي البادري وخادمه. وأجريت اتصالات سريعة وعلى أعلى المستويات مع والي مصر محمد علي باشا، وقدم إليه اثنان من كبار اليهود الأوروبيين ممثلين لجمعية الاتحاد الإسرائيلي هما (كراميو) و(مونتيفيوري) الفرنسيان. استقبلهما محمد علي بالترحاب البالغ بعد أن تسلم الثمن..

قال (كراميو):
- (نحن نلتمس منكم إعادة النظر في الدعوى..).

ابتسم محمد علي في دهاء وقال:
- (أفهم ما ترميان إليه.. تريدان حل الأزمة بطريقة قانونية حتى لا يثور أبناء الشعب ضدي.. تقصدان محاكمة جديدة.. ثم ينكر المتهمون الاعترافات السابقة.. ثم يصدر الأمر بالبراءة..).

قال (مونتيفيوري) اليهودي الداهية:
- (هو ذاك..).

هز محمد علي رأسه قائلاً:
- (ليس لدي وقت لهذا كله، ثم إني لا أخاف أحداً.. الشعب في قبضة يدي، ولا يستطيع أحد أن يعترض على قرار أتخذه.. إن لي رأيي الخاص الذي لا أخاف أن أواجه الناس به..).

وابتلع جرعة من القهوة التركية وقال:
- (سأفعل معكما أحسن من ذلك، هو أني سأخلي سبيل المحبوسين وأأمر بإرجاع الهاربين إلى أوطانهم، وأظن أن ذلك أفضل من إعادة النظر في القضية، لأن إعادة النظر مما يتسبب عنه استمرار الضغائن بين المسيحيين واليهود، وهذا أمر لا أوده، وسأخبر القناصل بإرادتي، وأرسل أوامري الليلة إلى شريف باشا.. إنني أحب اليهود لأنهم شعب مطيع يحب الشغل، وإني سأظهر لكم ما يفيد ميلي إليهم بكل ممنونيتهم..). [هكذا في الأصل].

ثم سلمهما (فرمان) العفو وذكر فيه هذه الألفاظ لشريف باشا:
- (اعف عن المسجونين).




خرج المندوبان وفي يديهما صورة من فرمان العفو، وتوقف (كراميو) لحظة وقال:
- (هذا فرمان خطير يا مونتيفيوري).

- (لقد حققنا نصراً عظيماً، بثمن بخس..).

- (أنت واهم.. لقد سقطنا سقطة كبرى..).

- (ماذا تعني يا كراميو..).

قال كراميو ويده ترتجف بالفرمان:
- (إن كلمة العفو معناها أنهم أدينوا، وفي ذلك فضيحة عالمية وخطر كبير على ديننا).

- (هو صحيح، لكن ماذا نفعل أكثر من ذلك؟؟).




ورأى الرجلان أن يعودا مرة ثانية إلى الوالي محمد علي باشا الذي استقبلهما بالترحاب المعهود.. وقال كراميو في أدب:
- (لقد أردنا أن نبلغ الباشا العظيم أننا قررنا التبرع لحكومته الرشيدة بمبلغ يفوق المبلغ السابق).

ابتسم محمد علي ابتسامة تاجر قديم كان يبيع الدخان في (قولة) وقال وهو يعبث بلحيته الطويلة:
- (لا شك أنكم تريدون شيئاً آخر غير العفو).

أردف مونتيفوري هذه المرة:
- (سنضع المزيد من إمكانياتنا إلى جانبك في حربك مع أعدائك، سواء
من المال أو السلاح أو التأييد السياسي، وسيكون أبناء ملتنا في مصر والشام خداماً مخلصين لك.. بل وفي أوروبا أيضاً..).

انتشى محمد علي من الكلمات الحلوة المفرحة وقال:
- (لا أريد مساومة أكثر.. أوجزوا وأفصحوا عما تريدون..).

- (العفو، أطال الله عمرك، معناه أنهم أذنبوا وثبتت الجريمة ضدهم، ولسوف يعانون من جراء ذلك بعد العفو عنهم..).

ضحك محمد علي ضحكة من أعماقه.. ثم قال:
- (ماذا تظنون إذن؟؟ إنني أثق في شريف باشا وفي قناصل الدول الذين أشرفوا على كل مراحل التحقيق..).

طأطأ الرجلان رأسيهما بينما همس (كراميو) في شيء من الجرأة:
- (التشكيك في الجريمة من مصلحة الجميع..).

هز محمد علي رأسه عنوان الموافق، وأراد أن يُنهي الأمر بسرعة، وتمتم:
- (إن القضية قد اتسعت وشغلت الأذهان، ويجب أن نبتر الاهتمام بها نهائياً..).

ثم أمر بكتابة (فرمان) آخر تحققت فيه رغبة اليهوديين الكبيرين..

(إلى شريف باشا والينا في دمشق..
إنه من التقرير المرفوع إلينا من الخواجات (مويز مونتيفيوري) و(كراميو) اللذين أتيا لطرفنا مرسلين من قبل عموم الأوروبيين التابعين لشريعة موسى، اتضح لنا أنهم يرغبون في الحرية والأمان للذين صار سجنهم من اليهود، وللذين ولوا الأدبار هرباً من تهمة حادثة الأب توما، الراهب الذي اختفى في دمشق في شهر ذي الحجة سنة 1255 للهجرة مع خادمه إبراهيم..
وبما أنه بالنظر لعدد هذا الشعب الوفير، لا يوافق رفْضَ طلبهما، فنحن نأمر بالإفراج عن المسجونين وبالأمان للهاربين من القصاص عند رجوعهم، ويترك أصحاب الصنائع في أشغالهم، والتجار في تجارتهم، بحيث أن كل إنسان يشتغل في حرفته الاعتيادية، وعليكم أن تتخذوا كل الطرق المؤدية لعدم تعدي أحد عليهم أينما كانوا، وليتركوا وشأنهم من كل الوجوه، هذه إرادتنا).

[بصمة ختم محمد علي]

صورة طبق الأصل..




عندما قرأ شريف باشا والي دمشق ذلك (الفرمان) الغريب لهثت أنفاسه، ودارت به الأرض، اشتد به الضيق، وأقعده الخطب الجسيم عن النهوض، ورنت في رأسه كلمة (العدالة).. لم يذبح البادري وخادمه وحدهما، وإنما قطع جسد العدالة إرباً إرباً، سبعة شهور من التحري والتدقيق والتحقيق.. اعترافات كاملة.. شهادات ثابتة.. حتى البلاطة المنفسخة التي حطمت عليها جمجمة الباردي.. وقطع طربوشه.. وعظامه.. والسكين.. ويد الهاون.. تعاليم التلمود الصريحة.. أقوال الحاخامات.. التفاصيل الدقيقة الصغيرة لكل شيء.. يا ضيعة العدالة.. قناصل الدول الذين شهدوا كل شيء.. وتحققوا من كل شيء.. قضية الرشوة الأخيرة.. العدالة.. العدالة.. هاهاها..!

وأخذ شريف باشا يضحك في هستيرية ثم صاح فحضر العسكر، فقال لهم بصوت عال أجش:

- (أفرجوا عن جميع اليهود المسجونين.. تلك إرادة الوالي باشا الأعظم، وليحيى العدل..).

كان ذلك في يوم 5 سبتمبر (أيلول) عام 1840 ميلادية.





يتبع،، الفصل [ 22 ] والأخير،،


~

رسن غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-02-2008, 02:06 AM   #28
رسن
 
الصورة الرمزية رسن



رسن is on a distinguished road

افتراضي


~


[ 22 ]

الخاتمة

ليالي دمشق نومها عذاب، ونهار دمشق عيون وجلة، ووجوه مكفهرة، والأحاديث هامسة مشحونة بالثورة، وعاد الناي الحزين يرتل أنغامه على شاطئ (بردى) ومواويل الحفاة والعراة هي سجل التاريخ الصادق، مواويل ينساب منها الحنين، وتنسكب الدموع..

قال شيخ ضرير يؤم المصلين بعد أن أدى فريضة الفجر:

- (كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، تذكروا يهود بني قريظة.. كانوا يا أبنائي حلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم، اتفقوا معه على أن يردوا كل مهاجم أو معتدٍ على يثرب، وأن يمدوا الرسول صلى الله عليه وسلم بالمؤن والرجال، عند الضرورة، وجاء (الأحزاب) من كل مكان لحرب الرسول صلى الله عليه وسلم، أحاطوا بالمدينة، كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد حفر هو وأصحابه خندقاً كبيراً فلم تستطع الأحزاب أن تعبره.. ولم يبق إلا المؤخرة، ولكن فيها حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود.. وغدَرَ اليهود.. نكثوا العهد.. ظنوا أن انحيازهم لقريش والأحزاب سيقضي على الإسلام والمسلمين إلى الأبد، ولكن الله سلم، وصمد المسلمون، وعصفت الريح وتبدد شمل الأعداء، واستدار الرسول صلى الله عليه وسلم ليُنزِل بالغادرين العقاب، كان عقاباً صارماً لا يُنسى).

ثم تنهد الشيخ الضرير وقال:

- (عن ربّ العزة يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: يا عبادي، إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا.. والظلم أيها الإخوة ظلمات يوم القيامة.. فلتقرؤوا الفاتحة على أن يقصم الله ظهر الظالمين..).

وفهم الحاضرون ما يريد الشيخ أن يقوله، واعتصموا بالصمت، والصمت بركان حبيس لا يدري أحد متى ينفجر، فيدمر ويسحق الأخضر واليابس.. وصحا الرهبان في ذات اليوم في دير (تيرسانت)، وتراصوا للصلاة، كانت الدموع ممتزجة بالتراتيل الحزينة، ومن آن لآخر يرفع المرتل صوته باسم (يسوع)، وقال أحد الحاضرين وهو يسدد نظراته إلى صورة رائعة للمسيح:
- (ماذا أرى؟ إنها.. ليست صورة المسيح.. إني أرى وجه البادري توما..).

وربت أحد الآباء على رأسه في رقة:
- (لا تحزن يا بني.. زعموا أن البادري هاجر.. نعم هاجر إلى الله.. إلى ملكوت السماوات.. وصعدت روحه الطاهرة على صليب قاس صنعه يهود اليوم. دائماً يعبثون بكرامة الإنسان، ويتلذذون بتعذيب الأبرياء، الوحش يا أبنائي يلتهم الفريسة دون حقد أو تشف.. أما اليهود فقد كانوا يغنون ويرقصون ويضحكون، كانت حياة البادري توما عذراء طاهرة شفافة، وصعدت روحه إلى أبينا الذي في السماوات.. مضمّخة بالعطر والعبير والأهازيج القدسية..).

ثم تصاعدت تراتيل الراهبات الشجية توشّي الصمت والظلام بنغم حزين.




وقالت زوجة قنصل من قناصل الدول الكبرى:
- (إن ما حدث يعتبر مهزلة كبرى..).

قال زوجها القنصل ساخراً:
- (لا شك أنها قصة مسلية ومثيرة، وللسياسة أحكام يا زوجتي العزيزة، وميكيافيللي يقول في كتابه (الأمير): (الغاية تبرر الوسيلة..)).




وارتمى رجل سكران على قارعة الطريق وأخذ يهذي:
- (أنا بطل حرب (المورة).. أنا فارس (عكا).. أكلت مع إبراهيم
باشا على مائدة واحدة.. لكني والله ما قتلت البادري ولا أعلم عن الحادث شيئاً..).

وانفجر باكياً فجاء عسكري الدَّرَكْ وأخذ يجره إلى حيث لا يعلم أحد..




أمسكت امرأة صغيرة السن بطفلها ثم قرصته من خده وقالت:
- (إذا لم تسمع كلامي أرسلتك إلى حارة اليهود ليذبحوك..).




وقال يهودي نجار لزميله وهو يدق المسامير في عصبية:
- (إنهم لا يعرفون من نحن، لقد انتصرنا وخرجنا برغم أنف شريف باشا..).

- (آه.. وغداً تنفخ البوق في أريحا..).

- (ونعمّر أورشليم الخراب.. ونرشق راياتنا على أرض (الجول) الجرداء.. نحن كل شيء..).




ومالت راقصة يهودية على ثري من أثرياء الشام في إحدى الحانات، وهمست في دلال:
- (أتخاف مني؟).

رد عليها قائلاً:
- (يا سعادتي وهنائي لو مت بين يديك..).




وبالقرب من المسجد الأموي، وقف بائع الكتب والمخطوطات القديمة يتحدث مع بعض الشباب:
- (انظروا.. هذه كتب قديمة عن ذبائح اليهود، وهذه مخطوطات ألـّـفها علماؤنا الأقدمون عن فظائعهم وتاريخهم، ولكن للأسف أنتم لا تقرؤون..).




وقال رجل يقرأ القرآن على أحد المقابر لزميله:
- (أتعتقد أن البادري سيدخل الجنة..؟؟).
- (وهل آمن بالله ورسوله..؟؟).




أما الصيدلي سانتي صديق الأب توما فقد قال والدموع تترقرق في عينيه:
- (القصة قديمة.. الصراع بين الذهب والمبادئ.. الأنبياء وأتباعهم هم الذين استطاعوا بقوة المبادئ أن ينتصروا على إغراء الذهب، وما أكثر المعارك التي تكون فيها الغلبة للذهب.. للأسف الشديد!! توما ضحية العصر المنهار الذي يحكمه الذهب لا القانون.. توما الذي انتصر على سلطان الذهب القاهر، استطاع الذهب في النهاية أن يهدر دمه، ويضيع القصاص، ويسحق العدالة، ويلوي أعناق الحكام الكبار..).




واحتشد عدد من رجال الشرع والقانون، مسلمين ومسيحيين، وقرروا أن يكتبوا عريضة لمحمد علي باشا ولشيخ الجامع الأزهر يحتجون فيها على (الفرمان)، غير أن (أحد العقلاء) قال لهم:

- (لا تفعلوا شيئاً كهذا، وإلا ألقيتم بأنفسكم في مشاكل لا يعلم إلا الله مداها..).




وتألقت الأنوار في حارة اليهود، وتناهت إلى أسماع أهل دمشق الأغاني والموسيقى الهادرة، والطبول العالية، وامتلأت الحارة الشهيرة بالأعلام والرايات الملونة، وبصورة كبيرة لمحمد علي باشا، وعاد المتهمون إلى بيوتهم، وسط التظاهرات الصاخبة، وتلقت كاميليا زوجها وسط الزحام بالقبلات والعناق دون أن تشعر بأدنى حرج، وابتسم داود لها في ودّ بالغ..

أما سليمان الحلاق فقد بقي قابعاً في دكانه لا يعير الأمر اهتماماً، لكنه فكر في أن يبحث له عن مكان آخر يتخذ له فيه حانوتاً.. إنه يشعر بحصار من نوع ثقيل، لا يلمسه بيديه وحواسه ولكنه يشعر به ككابوس نفسي مرهق..

ومحمد أفندي أبو العافية، بعد أن غادر حارة اليهود إلى الأبد، كان يُرى كل صباح متأبطاً بعض الكتب الدينية والمصاحف، ومتجهاً إلى المسجد النبوي، ولم يعلق على خروج اليهود إلا بعبارة موجزة ذات معنى:
- (ليس المهم أن يخرجوا من السجن أو يبقوا فيه، ولا يهم أن يُعدموا أو تـُكتب لهم الحياة.. إن أخطر سؤال يواجه الإنسان المخلص هو: هل يسير على صواب أم يخوض في أشواك الهلاك والضلال؟؟).




وما أن هدأت الأحوال واستقرت الأمور وكاد الناس أن ينصرفوا عن حادثة البادري ومخلّفاتها حتى قدمت كاميليا إلى زوجها وقالت في هدوء تحسد عليه:
- (آن أن أخبرك بالحقيقة).

التفت إليها في دهشة وقال:
- (ماذا؟؟).

- (لقد قررت الرحيل).

- (كيف؟؟).

- (لقد أديت واجبي ويجب أن تنتهي حياتنا الزوجية)..

- (إنني لا أصدق ما أسمع.. كنت نِعْم الزوجة في محنتي..).

- (أما وقد انتهت المحنة يا داود.. فواجب أن تطلق سراحي).

- (كاميليا حبيبتي.. أنا ومالي وما أملك تحت تصرفك..).

قالت وهي تبتسم في مرارة:
- (حان الفراق.. ولا فائدة).

أحنى رأسه في ذلة.. فهم كل شيء.. اقترب منها في محاولة أخيرة، واختطف يدها وقبلها، ثم أقعى كالكلب على قدميها، فرجعت إلى الوراء بحركة سريعة:
- (لن أرجع في قراري..).

- (افعلي ما شئت يا حبيبتي، لك الحرية في أن تستكملي سعادتك بالطريقة التي ترينها.. لكن لا تتركيني..).

عادت تبتسم في مرارة.. لشد ما تحتقره الآن، تمالكت أعصابها وقالت في قوة وإصرار:
- (أنا خارجة ولن أعود.. وأي كلام بهذا الخصوص لا فائدة منه..).

رآها تسبغ الخمار على وجهها، وتحكم العباءة الرقيقة على جسدها الفاتن، وتخطو صوب الباب في إصرار.. فشعر بقسوة الحرمان، ومرارة العجز.. فهتف:
- (والطفلان؟؟).

دمعت عيناها، وتمتمت:
- (أنا في انتظارهما دائماً.. ولن أتخلى عنهما أو أنساهما..).

وأدرك للمرة الثانية في حياته، وبصورة أعمق وأفظع.. كيف يقاسي المطرود من النعيم، وشعر بكراهية قاتمة للحياة بكل ما فيها، ككراهيته اليوم للفطير المقدس.. بل إنه أصبح يكره كلمة (مقدس) نفسها.. وحاول أن ينهض فلم يستطع وترك لدموعه العنان..




~

رسن غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-02-2008, 02:10 AM   #29
رسن
 
الصورة الرمزية رسن



رسن is on a distinguished road

افتراضي


~


تذييل

قصة بالوثائق

بقلم د. نجيب الكيلاني



لعل من العسير بعض الشيء، أن يكتب الأديب قصة فنية مدعمة بالوثائق، إن الوثائق غالباً ما تأتي جافة مباشرة ولا تهتم إلا بالحقائق المجردة، والصيغ التقليدية والعبارات الركيكة والمتداولة، والوثائق تبرز الحقائق الأولية، ولا تكترث بالأبعاد النفسية للشخصيات، وقد تغيب في ثناياها بعض الدوافع الهامة والأسس الخطيرة.. والفنان الذي يريد كتابة قصة مدعمة بالوثائق لا يستطيع أن يضع الوثائق متجاورة ويتقيد بحرفية التسلسل، وإلا كانت كتابته مجرد بحث تاريخي، أو دراسة قانونية محكمة، وهذا وضع قد يتعارض مع مستلزمات الفن القصصي، ويخرج به عن دائرة الإبداع المطلوب، والإجادة المرجوة، ومن ثم فلا طريق للفنان سوى أن يضع قاعدة عريضة وأساساً متيناً، يقيم عليهما بناءه الفني، ألا وهو الحقائق الكليّة، والاستعانة ببعض الوقائع المبتكرة. ولكي أزيد الأمر توضيحاً أقول: إن الحقائق الكلية، أقصد بها الأمور الثابتة، التي أبرزها التحقيق، وقررتها الوثائق دون شك، أما الوقائع المبتكرة وهي هامة للغاية، فأقصد بها محاولة رسم الخلفية الاجتماعية والعاطفية والنفسية للحدث.

إن زوجة داود هراري (كاميليا) مثلاً لم يُقصد بها سوى إبراز التناقض الحاد، والعفن الاجتماعي، والاضطراب العاطفي، الذي تفرزه التعاليم الزائفة المستقاة من شروح التلمود، وتعززه القيم الفاسدة، التي درج عليها المجتمع اليهودي، بما يسيطر عليه من جشع وأنانية ومادية مفرطة.. (كاميليا) رمز حيوي متحرك وتجسيم لمأساة الضلال اليهودي القديم، وصورة صادقة للعقد النفسية.. التي ينضح بها التاريخ الطويل لملة أصابها الزيف والشطط عبر العصور، وقس على ذلك ما قد يرد من حوار موضوع، أو مواقف متخيلة، لا تتنافى وطبيعة القضية المطروحة، ولا تخرج عن إطار الحدث المثير.

وإذا كان النهر يشق طريقه من المنبع إلى المصب بقوة ذاتية، وفق قوانين أزلية، فإن إرادة الإنسان الفنان كثيراً ما تحفر له الفروع، وتصنع منه الشرايين التي تزيد من فعالية النهر، وترفع من قيمته وجدواه، دون أن يطغى ذلك على الصورة التقليدية للنهر الكبير، المتدفق دائماً من المنبع إلى المصب..

وكان لزاماً من آن لآخر أن أثبت بعض النصوص بحذافيرها، دون أن يتعارض ذلك مع السياق الفني، وهذه النصوص أساسية وهامة، وتشكل جوهر قضية (الأب توما)، وبعض النصوص لجأنا إلى اختصارها، لتؤدي الغرض المطلوب دون إخلال بالحقيقة التاريخية أو الفنية.

إن حقد الصهيونية على المسيحية قديم، ومؤامراتها ضد الإسلام والمسلمين لا تخفى على أحد، وليس وراء هذه القصة من هدف سوى أن تعيد للأذهان حلقة من سلسلة طويلة من العداء الصهيوني، ضد الإنسانية جمعاء، لعل العالم المسيحي والعالم الإسلامي أيضاً يدركان خطر الموقف، وما يحفل به المستقبل من كوارث يطويها الحقد الصهيوني في قلبه الأسود منذ قرون طويلة، ولعل ذلك يكون ناقوساً يدق في عنف يوقظ النيام وسماسرة السياسة، والمتلاعبين بالألفاظ، وأدعياء البطولة، كي يعلموا أن الأمر جدُّ خطير وأن المعركة حاسمة..

ألا وإن الكمال لله وحده، وذلك جهد المقل والله الموفق.




~

رسن غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-02-2008, 02:25 AM   #30
رسن
 
الصورة الرمزية رسن



رسن is on a distinguished road

افتراضي


~


مراجع الرواية:


1. وثائق التحقيق في قضية الأب توما.


2. كتاب ذبائح اليهود.


3. الكنز المرصود في قواعد التلمود.
تأليف: الدكتور روهلنج وشارل لوران
ترجمة: الدكتور يوسف حنا نصر الله

4. التلمود (تاريخه وتعاليمه).
تأليف: ظفر الإسلام خان




؛



صورة الصفحة الأولى في محضر التحقيق:






؛



(مصورة عن كتاب الأصول العربية لتاريخ سوريا في عهد محمد علي - د. أسد رستم):



؛




...... والحمدلله رب العالمين،



~

رسن غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-02-2008, 10:43 PM   #31
الواحة الخضراء



الواحة الخضراء is on a distinguished road

افتراضي


جزاك الله خيرا
وأستسمحك في أني احتفظت بها على ملف وورد

لأقرأها وقت ما أشاء

الواحة الخضراء غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-02-2008, 11:26 AM   #32
رسن
 
الصورة الرمزية رسن



رسن is on a distinguished road

افتراضي


~


المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الواحة الخضراء