منتدى المعالي
        



العودة   منتدى المعالي > نشاطات الشبكة > لقاءات المعالي
أفانين رمضانية
التسجيل تعليمات البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة تواصل





 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 25-11-2007, 12:04 PM   #1
لأنك تعلم !
عضوية الوسام
 
الصورة الرمزية لأنك تعلم !



لأنك تعلم ! - مشترك في عضوية الوسام

لأنك تعلم ! is on a distinguished road

Thumbs up °•.. أديب الفقهاء وفقيه الأدباء , سيــرة ولقـــاء ..•°






°•.. أديب الفقهاء وفقيه الأدباء , سيــرة ولقـــاء ..•°




بسم الله الرحمن الرحيم ..

.....


مختصر سيرة حياة الشيخ علي الطنطاي رحمه الله ..
إعداد : مؤمن مأمون ديرانية


أسـرتـه ووالداه :


يرجع أصل أسرة علي الطنطاوي رحمه الله إلى طنطا في مصر، وقد قدم منها إلى الشام عام 1255هـ (1839م) جدّه أحمد مع عمه (عمّ الجد) الشيخ محمد الطنطاوي الذي كان عالماً بالعلوم الشرعية والرياضيات والفلك، وتزوج فيما بعد من ابنة عمه الشيخ محمد. وقد ورث والد علي الطنطاوي الشيخ مصطفى علم جده لأمّه الشيخ محمد وكان يسمي نفسه سبط الطنطاوي، وكان دائم الاشتغال بالعلم ويكاد لا يتركه تلاميذه في داره التي لا تتوقف فيها حلقات العلم. أما والدة علي الطنطاوي فهي رئيفة بنت الشيخ أبي الفتح الخطيب العالم الزاهد أمين المكتبة الظاهرية في دمشق، وشقيقة محب الدين الخطيب الداعية والكاتب الإسلامي.


ولادتـه ونـشـأتـه :

ولد علي الطنطاوي في دار صغيرة من أملاك وقف جامع التوبة في حي العقيبة، وهو حي فقير في أطراف دمشق. وكانت ولادته في الثالث والعشرين من جمادى الأولى سنة 1327هـ (1909م). وفي هذه الدار في هذا الحي الفقير نشأ وعاش شطراً من عمره. عاش حياة جدّ وعلم أكثرها في مجالس العلم مع أبيه وتلاميذ أبيه، وبين صفحات الكتب في مكتبتهم العامرة، ولم يعرف لعب الصبيان وهزلهم. وكبر وهو يمضي أكثر وقته في القراءة. جمع علي الطنطاوي في دراسته بين الطريقتين: القديمة بالتلقي عن العلماء والمشايخ في حلقات العلم، والحديثة بالدراسة في المدارس والجامعات، فحضر مجالس أبيه وقرأ على علماء الشام في حلقات الجامع الأموي، ودرس في المدارس النظامية وأتم تعليمه الجامعي، وتفوّق في جميع مراحل تعليمه. بالإضافة إلى نهمه بالقراءة منذ نعومة أظفاره، الذي نفعه كثيراً.
كان أول عهده بالمدارس والتعليم سنة 1332هـ (1914م) عندما أمضى بعض يوم في الكُتّاب (المدرسة الآجرية) وهو ابن خمس سنين، وبقي يحسّ مرارة هذا اليوم طوال حياته. وكان هذا آخر عهده بالكتّاب. وفي تلك السنة، التي بدأت فيها الحرب العالمية الأولى، توفي جدّه الشيخ أحمد ودخل المدرسة التجارية التي كان والده مديراً لها، وبقي فيها سنوات الحرب حتى بلغ الصف الخامس الابتدائي سنة 1918م. ومع انتهاء الحرب وقدوم الشريف فيصل وبداية عهد الاستقلال العربي سنة 1918م، أغلقت المدرسة التجارية وانتقل إلى المدرسة السلطانية الثانية، وكان عليه أن يعيد السنة الرابعة الابتدائية بسبب تبدل المناهج بعد أن كان قد نجح إلى السنة الخامسة أيام الحكم التركي. وأعاد علي الطنطاوي السنة الرابعة ونجح فيها وكان الثاني بين الطلاب. انتقل بعد ذلك سنة 1919م إلى المدرسة الجقمقية الأهلية التي كان مديرها معلم الشام الشيخ عيد السفرجلاني فأفاد منه ومن حلقات الأموي الحافلة بالعلم، فكان يحضر دروس الشيخ صالح التونسي والشيخ بدر الدين الحسني والشيخ الكتاني والشيخ الكافي والشيخ محمد بهجة البيطار الذي كان يدرّس في الأموي في رمضان وكانت دروسه اليومية في جامع الدقاق في الميدان، وقد درّس علي الطنطاوي بعد ذلك في مدرسة أنموذج المهاجرين الابتدائية واستمرت صلته به طويلاً. كان هذان العامان في الجقمقية وحلقات الأموي عميقي الأثر في التكوين العلمي لعلي الطنطاوي، وفيهما وضع أساسه العلمي وقرأ على كبار علماء البلد وحفظ متوناً علمية كثيرة. وفي تلك الأيام انتهى العهد العربي القصير بمعركة ميسلون مع الجيش الفرنسي الغازي التي كانت معركة غير متكافئة وانتهت بهزيمة أليمة، وبدأ الحكم الفرنسي في تموز سنة 1920م. انتقلت عائلة علي الطنطاوي سنة 1921م من دارهم الصغيرة في العقيبة إلى دار واسعة في الصالحية على سفح جبل قاسيون، فانتقل إلى مدرسة أنموذج المهاجرين الابتدائية الحكومية، وأعيد للصف الخامس الابتدائي مرة أخرى في عهد الانتداب الفرنسي، بعد أن كان درسه في العهد التركي وفي العهد العربي. هذه السنوات الضائعة في الظاهر كانت خيراً له وبركة، فيها استقر الإيمان في قلبه ونهل من العلم وقرأ من الكتب الكثير. انتقل من عالم الأموي الحافل إلى سفح جبل قاسيون، ودمشق تعيش تلك الأيام مصاب ميسلون وضياع الاستقلال. وفي هذه المدرسة خطب التلميذ علي الطنطاوي أول خطبة له، وكان في السنة السادسة الابتدائية في الرابعة عشرة من عمره. كان دوره في كلمة للطلاب يوم أمرت الحكومة بالخروج لاستقبال المفوض السامي الفرنسي الجديد، فخطب خطب حماسية صادقة خارجة من قلبه الصغير آنذاك، حرّض فيها على عدم الخروج لاستقبال زعيم الفرنسيين أعداء الدين والوطن، فعوقب بتنقيص علامته في الأخلاق والسلوك، وكان هذا أول عهده بالخطابة. وبعد سنتين في مدرسة أنموذج المهاجرين دخل امتحان الشهادة الابتدائية سنة 1922م، ونجح بتفوق وكانت كل علاماته كاملة باستثناء علامة الأخلاق والسلوك، عقاباً له على خطبته في المدرسة التي هاجم فيها الفرنسيين. وبعد نيل الشهادة الابتدائية دخل مكتب عنبر سنة 1923م وبقي فيه حتى سنة 1928م، وكانت السنوات الست التي قضاها فيه غنية بالأحداث الخاصة في حياته والعامة في حياة بلده، فيها مرَّ بأضخم منعطف في حياته وهو موت أبيه، وفيها كانت نهضة المشايخ والثورة السورية وبداية النضال من أجل الاستقلال. وصار من قادة الشباب الوطنيين وصاحب كلمة مقروءة ومسموعة عند أهل الشام. وكانت هذه السنوات هي المرحلة الأعمق أثراً في بناء شخصيته وفكره وعلمه، وصفها بأنها كانت لنفسه كأيام البناء في تاريخ الدار.
درّسه العربية في مكتب عنبر أئمة العربية: الشيخ عبد الرحمن سلام الخطيب المفوّه، والشيخ عبد القادر المبارك والشيخ سليم الجندي إماما العربية الذين كانا أكثر من درّسه تأثيراً في تكوينه اللغوي والأدبي وقال عنهما بعد وفاتهما:"لقد ماتا وما أعرف تحت قبة الفلك أعلم منهما بالعربية وعلومها".


وفاة والده وعمله في التجارة ثم عودته للدراسة :

في شعبان 1343هـ (1925م) كان الشاب علي الطنطاوي، وهو في السادسة عشرة من عمره، يبدأ مرحلة جديدة من حياته، يودع فيها سنوات الدعة والرخاء، ويبدأ سنوات العناء والعمل الشاق الدؤوب وحمل عبء إعالة أسرته، وفوق كل ذلك إكمال تعليمه. كان رمضان على الأبواب، وهم في دارهم الكبيرة في الصالحية يستعدون للشهر الكريم ولضيوفه، فمرض والده في الأيام الأولى من شعبان ومات يوم العشرين منه، وتغيّر مسار حياته كلها. ترك لهم أبوه رحمه الله ديناً كبيراً، فكان عليهم أن يتركوا الدار الكبيرة التي يسكنوها وأن يبيعوا كل ما فيها لقضاء الدين. وكان هو أكبر إخوته ولم يعد لهم من يعيلهم غيره. استخرج لهم خال أبيه معاش أبيه التقاعدي وكان ضئيلاً، واستأجر لهم داراً صغيرة في حيهم القديم العقيبة، وتدبّر بيع كل ما في الدار من أثاث وأغراض إلاّ المكتبة فقد تمسّك بها علي الطنطاوي بكل قواه ولم يسمح ببيعها. وعادوا من جديد إلى حيّهم الفقير القديم، إلى دار صغيرة تُسقى من ساقية مكشوفة ملوثة الماء، وصفها أنها لا تصلح أن تكون إصطبلاً تربط فيه الدواب، فكانوا يفرشون الحصير والبساط عليه فراش رقيق ينام عليه إخوة علي الطنطاوي الصغار وتسهر عليهم أمّهم تدفع عنهم البق صابرة محتسبة. وحمل عبء هذه الأسرة التي صار هو رجلها ومعيلها. كان موردهم معاش أبيه التقاعدي القليل، بالإضافة إلى معاش إمامة جامع رستم الصغير المجاور التي كانت لأبيه وآلت إليه ويبلغ مئة وخمسين قرشاً، وراتب تلاوة جزء من القرآن في جامع سنان باشا في باب الجابية كانت أيضاً لأبيه وآلت إليه ويبلغ خمسين قرشاً في الشهر. وبدأ بذلك مرحلة جديدة من حياته تعلّم فيها حمل المسؤوليات وخرج منها أصلب عوداً وأكثر خبرة بالحياة.
كان عليه أن يبدأ بكسب رزقه لينفق على البيت فلم يعد لأمه وإخوته الصغار من يعيلهم غيره. وكان في أواخر المرحلة المتوسطة التي ينال في نهايتها شهادة "الكفاءة"، فعُرض عليه أن يترك الدراسة ويدرّس النحو للصف الرابع الابتدائي فقبل، ثم طلب الدرس ابن الشيخ علي الدقر فآثروه به فغضب وترك التعليم وعاد إلى الدراسة، وأراد الله له بذلك خيراً، فلو لم يحدث ما حدث لبقي معلم ابتدائية وما أكمل تعليمه. وبعد أن حصل على شهادة الكفاية (المتوسطة) تعلّم المحاسبة ثم عمل كاتب حسابات عند تاجر أدوات كهربائية، وكانت دكانه بجوار جامع السباهية قرب باب الجابية، فكان وهو في الدكان يسمع قراءة الأولاد في المدرسة وهو محبوس بين الأسلاك والأدوات الكهربائية فيتقطع قلبه شوقاً للعلم الذي نشأ بين أحضانه، ويتحسر أن تكون نهايته كاتب حسابات دكان كهربائي، بعد هذا الطريق الذي قطعه في طلب العلم وكل الكتب التي قرأها. عمل بعد ذلك محاسباً لشريكين يبيعان السمن ويصنعان الصابون ثم تركهما لما وجد من غشّهما. ثم عمل قليلاً لدى تاجر خيوط في سوق الخياطين ثم تركه لما سمع منه ما يكره. بعد ذلك قرر أن يتاجر بنفسه فشارك طالب علم تاجراً هو الشيخ رياض كيوان يبيعان السكر والأرز لا يكسبان إلا قروشاً معدودة. لكن علي الطنطاوي لم يُخلق ليكون تاجراً، وما كان ليصلح للتجارة ولا التجارة تصلح له. وكان قد بدأ يدرك ذلك عندما مرّ ذات يوم أمام المحكمة التي كان أبوه رئيس ديوانها، فزارها فلقي فيها الأستاذ محمد علي الطيبي الذي صار مكان أبيه في المحكمة، فكان هو الذي نبهه أنه أساء اختيار الطريق، وذكره أنه خلق للعلم وعليه أن يعود إليه، فذهب إلى عمه الأكبر الشيخ عبد القادر العالم الفلكي وأخبره أنه يريد العودة للدراسة، وكان قد مضى من السنة ثلثيها، ففات امتحان الفصل الأول وصار امتحان الفصل الثاني على الأبواب، فضحك الشيخ الذي كان ينتظر عودته تلك قبل ذلك بكثير وقد أعدّ لها، وأخذه إلى مدير مكتب عنبر الأستاذ محمد علي الجزائري، وإذا به لم يلغ قيده وهو مازال رسمياً من الطلاب، فسأله: لقد اقترب الامتحان الثاني فهل تستطيع أن تدخله مع رفاقك وتعيد الامتحان الأول بعده بعشرة أيام؟ أجابه علي الطنطاوي بلا تردد: أرجو الله. فقال له توكل على الله وادخل صفك. فدخل صفه ثم دخل بعد ذلك الامتحان، وكان بفضل الله الأول بين الطلاب.


في الكتابة والخطابة وبداية عمله في الصحافة :

في سنوات مكتب عنبر بدأ علي الطنطاوي يعرف كاتباً وخطيباً، وعرفته المنابر وخاصة منبر الجامع الأموي، يقبل عليه المصلون ويهرع إليه الناس إذا دعاهم وتتجمع حوله الجموع، ويقود الناس في المظاهرات من الأموي، وتستجيب البلد كلها لندائه وتغلق الأسواق ويتضامن معه التجار وتعينه جمعية الهداية الإسلامية كلما حدث في البلد حادث. خطب علي الطنطاوي خطباً هزت البلاد. خطب في الشام ومصر والعراق ولبنان والقدس وعمان والهند والباكستان وأندونيسيا. وتحدث في إذاعة الشرق الأدنى في يافا من يوم إنشائها، وإذاعة دمشق وبغداد بعد ذلك. كان دائماً مسموع الكلمة في الناس ولدى كل الأطراف، وكان يقول الحق لا يحابي أحداً ولا يسعى لمصلحة نفسه. وبقي على مبدئه في قول الحق حتى توفاه الله، المبدأ الذي عاهد الله عليه ووفى به، وهو أن يقول الحق ما استطاع فإن لم يستطع فلا يقول باطلاً أبداً.
وعمل رحمه الله في الصحافة سنين طويلة، وقال عنها أنها أحب المهن إليه إذا كان هو صاحب الكلمة فيها، لا ينغّص عليه أحد فيمنعه من نشر ما يريد أو يدفعه لنشر ما لا يريد. وكانت بدايته في الصحافة عندما نشرت أول مقالة له في المقتبس، وكانت فرحة من فرحات عمره الكبار، ثم عمل في ذلك كثيراً مع خاله محب الدين الخطيب في زيارته الأولى لمصر سنة 1928م. وعمل بعد عودته إلى دمشق في جريدة "فتى العرب"، وكتب في "الناقد" وفي جريدة "ألف باء" و"القبس".


عمله في التعليم :

كانت مسيرة التعليم في حياة علي الطنطاوي جزءاً بارزاً من حياته استغرقت عمره كله. بدأ بها عملاً يقتات به أثناء إكمال دراسته بعد وفاة والده. وكانت البداية في زيارة قام بها إلى المدرسة الأمينيّة التي كان مديرها ابن خالته الشيخ شريف الخطيب، فدخل على التلاميذ فألقى عليم درساً فأحب التدريس واشتغل فيه من ذلك اليوم، وكان عمره يومئذٍ ثمانية عشر عاماً. وفي هذه المدرسة بدأ العمل في المسرح المدرسي الذي نبغ فيه بعد ذلك وكتب مجموعة من المسرحيات أدّاها الطلاب بإشرافه.
تدرّج بعد ذلك في التعليم الابتدائيِّ وطاف المدن والقرى، ثم علّم في المدارس الابتدائية والثانوية في العراق ثم في غيرها، وعلم فيما بعد في الجامعات وفي الدراسات العليا وأشرف على الرسائل العلمية, وقد وجد بعد هذه المسيرة الطويلة أنه لا شيء أنفع ولا أبرك ولا أثوب من تعليم الصِّغار من تلاميذ المدارس الابتدائيَّة، فهذا هو الأساس الذي تقوم عليه الأمة بأكملها. أحبَّ علي الطنطاوي هذا العمل وكان مثالاً للمعلّم الناجح، ومرَّت بين يديه أجيال من الطلاب الذين نبغ منهم وبرز من صاروا من أعلام الناس.


الشَّهادة الثانوية و زيارة مصر سنة 1928م ثم عودته ودراسة الفلسفة :

في نهاية دراسته الثَّانوية في مكتب عنبر كان الفرنسيون قد بدؤوا بتطبيق نظام "البكلوريا" (الثانوية الفرنسية)، وفرضوا على الطلاب أن يدرسوا المناهج الفرنسية المطبقة على الطلاب الفرنسيين، وجعلوه امتحاناً رهيباً جمعوا فيه جميع طلاب الثَّانوية من جميع المدارس، وكان من الناجحين.
بعد الثَّانوية سافر إلى مصر مرافقاً لأخته التي كانت ستتزوج من شريك خاله محب الدين الخطيب، مفارقاً أمَّه وإخوته لأول مرة. وكانت هذه السَّفرة هي أكبر حدث مرَّ عليه في شبابه. رافق خاله في المطبعة السَّلفية وقابل فيها كِبار رجال العلم والأدب في مصر، وشارك في تحرير الفتح والزَّهراء، وشهد بداية الدعوة الإسلامية المنظَّمة المتمثِّلة في جمعية الشبان المسلمين، التي كانت تأسَّست حديثاً وكان خاله من مؤسسيها، والدعوة المنظمة الحقيقية التي بدأت على يد حسن البنَّا، الشَّاب الذي كان يتردَّد على المطبعة السَّلفية. دامت زيارته الأولى لمصر شهران، وكانت غنيَّة بالحوادث عظيمة النفع له، فنضج قلمه ولسانه وأخذا شكلاً أكثر عمقاً وهدوءاً، وأبعد عن الحماسة وأقرب إلى الرَّصانة.
بعد عودته من مصر سنة 1929م، وكان قد حصل على الشَّهادة الثانوية في شعبة العلوم، وكانت الثَّانوية في تلك الأيام على قسمين: الأول في نهاية السنة الحادية عشرة، والثَّاني في نهاية السنة الثانية عشرة وفيه شعبتان؛ الرِّياضيات والفلسفة، فانتسب إلى شعبة الفلسفة ودرسها في تلك السنة.
كان عليه أن يعمل أيضاً حتى يعيل نفسه وأهله فعمل في الصَّحافة، المهنة الأثيرة لديه، في جريدة "فتى العرب" مع الأستاذ معروف الأرناؤوط ثم في جريدة ألف باء عند يوسف العيسى، وكتب أيضاً في مجلّة "النَّاقد" وجريدة القبس.


السفر إلى مصر للدراسة ثم العودة إلى دمشق :

في نهاية السنة الدراسيَّة عاد إلى مصر للدَّراسة فيها. كان يريد الجامعة لكنَّ خاله محب الدين كان من الذين تصدُّوا لعميد كلية الآداب -في تلك الأيام- طه حسين عندما كتب كتابه "في الشعر الجاهليّ"، وما كان علي الطنطاوي ليفارق خاله من أجل الجامعة، فدخل دار العلوم، وبقي فيها أشهراً قليلة ثم عزم على العودة فتركها وعاد إلى دمشق في نهاية سنة 1929م.
حمل معه من مصر فكرة الجمعيَّات الإسلامية فأخذه الشيخ عبد القادر العاني إلى لقاء لكبار تُجَّار دمشق وبعض طلبة العلم، فحدَّثهم عما شهده في مصر ودعاهم إلى إنشاء جمعيَّة، فاختاروا اسم "جمعية الهداية الإسلاميَّة" التي كانت في مصر وأخذوا قانونها. واقترح عليهم استبدال المولد وما فيه من مخالفات بمحاضرة يلقيها وتطبعها وتوزعها الجمعيَّة. في هذين العامين اللَّذَين أعقبا عودته من مصر خالط المشايخ وصار له صوت مسموع وقلم ذو تأثير أكثر من قبل وصار من قادة الطلاب.
وعاد إلى التعليم يرتزق منه معلِّماً في "المدرسة الأمينيَّة" التي كان ابن خالته الشيخ شريف مديرها، مقابل أربعة قروش إلا ربعاً على الساعة، ولم يكن هذا يكفيه فعمل أيضاً في مدارس أخرى: في "الجوهريَّة" و"الجقمقيَّة" و"التجاريَّة" و"الكامليَّة" و"الكليَّة العلميَّة الوطنيَّة" التي كانت تدرِّس صفاً عالياً بعد الثانويَّة للطلاب غير السُّوريِّين سمُّوه "صفَّ الجامعة"، فرشَّحه الشَّاعر العالم خليل مردم للتدريس فيه، وكان أجره على ذلك عُشر ليرة ذهبية (ما يعادل 55 قرشاً)، وكان أجراً كبيراً في تلك الأيَّام، وفيها جمع محاضراته عن بشَّار بن بُرد في كتاب





لأنك تعلم ! غير متواجد حالياً  
قديم 25-11-2007, 12:07 PM   #2
لأنك تعلم !
عضوية الوسام
 
الصورة الرمزية لأنك تعلم !



لأنك تعلم ! - مشترك في عضوية الوسام

لأنك تعلم ! is on a distinguished road

افتراضي ( 2 - 4 )






.....


الدراسة في كلية الآداب وفي كلية الحقوق

انتسب بعد العودة من مصر سنة 1929م لكليَّة الآداب، وكانت تسمى يومها "مدرسة الآداب العليا" ولم تكن تابعة للجامعة بل لوزارة المعارف على شكل معهدٍ عالٍ، وكان مديرها الأستاذ شفيق جبري، أحد شعراء دمشق الكِبار الأربعة. وفي سنته الأولى تصدَّى لأستاذه شفيق جبري عندما قال أنَّ الأدب أُلْهِيَة، في رسالة كتبها بعنوان "الأدب القوميِّ" وطبعها سنة 1930م. وكان من أساتذته في الكليَّة أيضاً سليم الجندي وعبد القادر المبارك أكثر الأساتذة تأثيراً في تكوينه اللُّغوي، والشيخ عبد القادر المغربي والشيخ سعيد الباني. وعندما طُرِد صديقه أنور العطار مع مجموعة من الطلاب لمخالفتهم أمر المُراقب في تلك السنة، تضامن معه علي الطنطاوي فحرّض الطلاب ودعا إلى الإضراب، فاستجابوا له وخرجوا يهتفون في الشوارع والأسواق وكانت ثورة صغيرة انتهت بعلي الطنطاوي في السِّجن ذلك اليوم.
وصار رئيس "اللَّجنة العليا لطلاب سوريَّة" من 1929 إلى سنة 1931م، التي كانت ذراع "الكتلة الوطنية" في نضالها ضدَّ الفرنسيين. وأصبح خطيب البلد وقائد الشَّباب بعد خطبة عظيمة ألقاها في تلك السَّنة، وصار نداؤه المشهور (إليَّ إليَّ عباد الله) كثيراً ما يدوِّي فوق منبر الأموي.
وعندما أنشأت "الكتلة الوطنيَّة" جريدة "الأيَّام عام 1930م كان الأستاذ عارف النكدي رئيس تحريرها، فجعل علي الطنطاوي المحرِّر الداخليَّ (أي مدير التحرير)، فأعطاها من وقته وجهده الكثير، وكانت جريدة الناس التي يترقبونها ويتسابقون على شراء نسخة منها، إلى أن أوقفها الفرنسيُّون وختموا مقرَّها بالشَّمع الأحمر.
في أواخر 1930 دخل كليّة الحقوق، وكانت تسمّى معهد الحقوق، وكان قد سجَّل فيها قبل ذلك بسنتين بعد أخذه الثَّانوية الأولى على أن يُتمَّ الثَّانوية الثانية بعد ذلك، لكن سفره إلى مصر وعودته متأخراً وقد انتهى القبول أخَّره عن دخول الكليَّة سنتين، وكان من أساتذته فيها الأستاذ فارس الخوري والشيخ أبو اليسر عابدين والأستاذ سعيد محاسن. كانت حياته مزدحمة بالتدريس والصَّحافة والعمل العام مع "لجنة الطلبة" و"الكتلة الوطنيَّة" بين الخطابة وقيادة المظاهرات وتنظيم الإضرابات، والمشاركة في نشاطات الجمعيَّات الإسلاميَّة، بالإضافة إلى دروس العلم وحلقات المشايخ، وكان هذا دأبه طوال العام حتى إذا اقترب الامتحان وبقي أمامه شهرٌ واحد، عندها يعتزل الناس ويختفي في مكان لا يعرفه أحد، وكان غالباً دار خال أبيه الشَّيخ عبد الوهاب قرب المسجد الأموي، وينكبُّ على كتبه ومذكَّراته الدِّراسية لا ينشغل بغيرها، ثمَّ يدخل الامتحان وينجح فيه ويكون من أوائل الطُّلاب.


أول منشوراته :

في سنة 1929م، نشر علي الطنطاوي "رسائل في سبيل الإصلاح" التي كانت أوَّل ما نُشر له، وكان في العشرين من عمره، وهي تمثِّل رسالة حملها عمره كلَّه، واستمر يعمل لها بكلِّ السُّبل المتاحة، في سبيل الإصلاح. نبَّهت هذه الرَّسائل الصغيرة إلى أمور هامَّة كان النَّاس في غفلة عنها، وتنامى أثرها تدريجياً فكانت عاملاً من عوامل أثمرت تغييرات فكريَّة هامَّة، في وقت غلب على الناس فيه الجمود الفكريّ والبدع والخرافات، ووُجدت فجوة واسعة بين المشايخ والمتعلِّمين. كانت الرسائل التي بدأ بها صيحة عنيفة، أثارت عليه أنصار الجمود من جهة والمتعلمين الذين نأوا عن الدين من جهة أخرى، فنشر بعدها "رسائل سيف الإسلام" لتكون نداءً أكثر ليناً للعودة إلى الإسلام، وكانت تُطبع على نفقة أهل الخير وتُوزَّع مجاناً. المفارقة الغريبة أن اسم الأولى التي كانت صيحة عنيفة يوحي بنداء ليّن للإصلاح واسم الثانية التي كانت دعوة أكثر رفقا يوحي بصيحة عنيفة كالسيف.
وأصدر كتابه الأول "الهيثميَّات" سنة 1930م، أثناء صدور "رسائل سيف الإسلام"، وهو في الحادية والعشرين، ذلك أنَّه كان يتكنَّى بأبي الهيثم ويمضي كتاباته بهذه الكنية، وهو أوَّل من تسمَّى بهذا الاسم في دمشق ولم يكن مألوفاً فيها قبل ذلك. جمع هذا الكتاب كتاباته المبكِّرة مما كان قد نشره في الصُّحف في تلك الأيام. وفي نفس السنة نشر كتاب "بشَّار بن بُرد" ممَّا جمعه من محاضراته على طلاب "الكليَّة العلميَّة الوطنيَّة".
وفي سنة 1931م أصدر مجلَّة "البعث" قبل أن يكون هناك حزب بهذا الاسم، أصدرها وحده أولاً ثمَّ بالتعاون مع "جمعيَّة التَّهذيب والتعليم". وكان الاتِّفاق أن يكون التَّحرير بالكامل لعلي الطنطاوي، ثمَّ صار كلُّ من له شيء في الجمعيَّة أو جهد في إخراج المجلة يريد أن يكون كاتباً فيها، فآثَر أنْ يوقِفها.
وفي تلك السَّنة كانت الدعوة إلى العِقال، وكانوا في تلك الأيَّام يلبسون على رؤوسهم الطَّربوش، وهو متعب ولا يقي حرًّا ولا برداً، لكن الغيورين تمسَّكوا به ليقاوموا الدعوة إلى القُبَّعة وما تحمله من تشبَّه بالإفرنج. وعلى أثر زيارة الزَّعيم الهنديُّ المسلم شوكة علي إلى الشَّام كتب علي الطنطاوي رسالة "نداء إلى الشبَّان المسلمين" دعا فيها إلى لبس العِقال، ولَبِس الكوفيَّة والعِقال والعباءة وتبعه في ذلك كثيرون، وانتشرت هذه الدعوة في كلِّ مكانٍ وتحدَّثت بها وكالات الأنباء والصُّحُف الأجنبيَّة. لكنَّها بعد فترة بدأت بالفتور وبدأ النَّاس يتركونها، وكان هو آخر النَّاس تركاً لها بعد سبعة أشهر، وانتهت دعوة العقال لكنَّها حقَّقت هدفها من وقف دعوة القُبَّعات.


وفاة أمه رحمها الله :

في الثاني والعشرين من صفر 1350هـ (1931م )، رأى علي الطنطاوي يوماً من أشدِّ أيامِ حياته وأقساها، وأكثرها ألماً، لا يزيد عنه ألماً إلا يومَ فقد ابنته. كانت أمُّه قد أُصيبت بجرح في قدمها من مقصٍّ وقع عليها، وآثرت ألا تُشغل أولادها وتُتعبهم، فهوَّنت من الأمر عليه ولم تدعه يستدعي طبيباً لها، وبقيت تغالب ألمها وتكتمه عن أولادها حتَّى استفحل أمر الجرح بعد ثلاثة أيَّام وصار الألم لا يُحتمل، فأخبرته بذلك فأسرع بها إلى طبيبٍ جرَّاح شقَّ لها الجُرح ونظَّفه. لكنَّ مرضها استمر بالزِّيادة، فطلب صديقه الطبيب صبري القبَّاني ليراها فأمر أن يُسرعوا بها إلى المستشفى، وأُدخلت فوراً إلى غرفة العمليَّات، وبقي رحمه الله ينتظر جَزِعاً، وإذا بالدكتور صبري يخرج ليُخبره أنْ لا بُدَّ من بَترِ ساقها ويأخذ موافقته على ذلك فالأمر لا يحتمل تأخيراً، فأخذ منه الموافقة وتركه مذهولاً لا يُمكنه أن يتصوَّر كيف تخرج أمُّه من غرفة العمليَّات بساقٍ واحدة. لكن عندما فُتح باب غرفة العمليَّات فيما بعد، وخرج منها الدُّكتور صبري، كان على وجهه الخبر؛ لم تخرج أمُّه من غُرفة العمليَّات بساقٍ واحدة كما كان يخشى، بل خرجت ميِّتة لتُحمل إلى مثواها الأخير. تجمَّد رحمه الله وهو يسمع الخبر ولم يعد يقوى على الكلام ولا على الحركة، فأمسك به الدكتور صبري وأخرجه ولبِثوا جميعاً يواسونه وهو لا يسمع ما يقولون، وغُسِّلت رحمها الله وكُفِّنت وهو لا يدري شيئاً مما يحدث، قام بذلك الإخوة المخلصون من أصحابه: الدكتور صبري القبَّاني، والشيخ عبد القادر العاني، وأنور العطَّار، وأبناء خالته طه وثابت الخطيب وآخرون من تلاميذه. ثمَّ ذهبوا للصَّلاة عليها في جامع التَّوبة في العقيبة، وهناك بكى، بكى أمَّه وهي ترحل، وبكى أباه الذي رحل من قبل، وبكى آلامه كُلَّها، بكى وهو لمْ يدرك تماماً المُصاب الذي أصابه. وعاد إلى البيت وقد هدَّه الحزن والألم على أمه، ليجد أمامه معركة مع خالته وعمَّته اللتين كان يعرف لهما فضلهما ولا يتفق معهما في الرأي، معركة على المأتم والطُّقوس والبِدَع التي كانوا يحرصون عليها، وفيها مُخالفة للشَّرع وإرهاقٌ لأصحاب المُصيبة فوق مُصيبتهم، فقال لا بملء فِيه وأصرّ على موقفه، وبدأتا تصيحان عليه وتجمعان بصوتهما الجيران، فلمْ يبالِ. كان الحُزن على أُمِّه يقطِّع قلبه ولم يكن يكترث بطقوسهم، أخذ إخوته وخرج وأغلق الباب، وذهب بهم إلى قرية بعيدة لِيُخفِّف عنهم. وعندما همُّوا بالنَّوم إذا بأخيه الصَّغير سعيد يسأل: أين ستنام أُمِّي؟ فكانت هذه طعنة أخرى لقلبه الجَريح.


في التعليم الابتدائي في القرى ونيل الإجازة في الحقوق :

من الأعمال التي مارسها علي الطنطاوي ليرتزق منها سنة 1931م دروس مبتكرة في اللغة العربية أعدها للطلاب وجعلها في المدرسة الأمينيّة بعد انصراف تلاميذها، مقابل ليرتين من طالب "البكلوريا" وليرة من تلميذ الثانوية في الشهر.
بعد إغلاق جريدة الأيام التي كان يعمل فيها ويعيش منها، لم يعد لديه مورد ينفق منه على نفسه وإخوته، ولم يعد أمامه خيار إلا القبول بالوظيفة الحكومية التي كان يرفضها لأن الحكومة كانت عوناً للمستعمرين، فرضي أن يعمل معلماً كما فعل رفاقه ومشايخه، وعُيّن في سلمية سنة 1932م، بلد الإسماعيليين على طرف بادية الشام، وانتقل إليها والسنة الدراسية في أواخرها ولم يمكث فيها طويلاً لكنها كانت أيام جميلة، وكان راتبه ستاً وثلاثين ليرة.
في نهاية صيف 1932م صدرت التشكيلات الجديدة وجاءه قرار نقله إلى مدرسة صغيرة فيها ثلاثة صفوف في "سقبا" في غوطة دمشق، كان فيها المعلم والمدير والموظف الوحيد، فاستعان برجل صالح هو شيخ الكُتّاب في القرية فسلّمه الصف الأول بعد أن استأذن وزارة المعارف في ذلك وكان يشرف بنفسه على عمل الشيخ. وكان في هذه المدرسة للتلاميذ المعلم والمربي والراعي والمدرب الرياضي والأب والأخ الكبير. وكما علمهم فأحسن تعليمهم رباهم فأحسن تربيتهم، غرس في قلوبهم الإيمان وعودهم أداء العبادات والصدق في القول والجرأة في الحق لا يخافون في الله لومة لائم، وضرب لهم أمثلة في مواقف ظهرت فيها لهم منه قوة في الحق وثبات عليه. واتبع معهم أساليب تربوية راقية بأن عودهم حمل المسؤولية وأداء المهمات، وكان المبادر معهم إلى الأعمال العامة كتنظيف المدرسة وزراعتها ليستثير هممهم ويكون قدوة لهم. وشجعهم ودربهم على أنواع الرياضة وأخذهم في رحلات في القرى المحيطة وفي وادي بردى، حتى صارت هذه المدرسة مثالاً لمدارس القرى.
كان معلمو القرى ينتظرون إعلان التنقلات في بداية كل عام دراسي يتأملون الانتقال إلى دمشق، وكلما اقتربوا منها كلما زاد الأمل في ذلك، وكان علي الطنطاوي في سقبا في الغوطة قد اقترب كثيراً من هذا الأمل. وكانت دمشق في أواخر سنة 1933م هائجة على المحتلين الفرنسيين والناس يغلون في كل مكان منها، تعمّها المظاهرات والاضطرابات والاشتباكات بين المتظاهرين الذين لا سلاح لهم إلا الحجارة ورجال الأمن المسلحين بالبنادق. وفي تلك الأيام جاء الشيخ شريف الخطيب ابن خالة علي الطنطاوي يزوره ومعه مئتان من تلاميذ المدرسة الأمينيّة، ولقيه في طرف القرية علي الطنطاوي وتلاميذه فاجتمع التلاميذ الأربعمئة كالجيش، وأمضوا يومهم في لعب ونشاط وخطب وحماسة، فتصدى لهم رجال الدرك، فاستطاع رحمه الله أن يستميلهم ويحرّضهم على الفرنسيين فتركوا مطاردة التلاميذ وجلسوا معهم، ولكن نتيجة هذه الحادثة كانت قراراً بنقله إلى رنكوس، وهي قرية نائية على رؤوس الجبال أهلها شديدو البأس يعجزون الحكومة، ومثلها سرغايا. بعد أن اقترب من النقل إلى دمشق هاهو يُنقل بعيداً عنها إلى هذه القرية الوعرة. وزاده غيظاً وألماً أن معلماً جاهلاً كان يعرفه من أيام مكتب عنبر كان في رنكوس وكان أبوه وجيهاً ويريد نقله، فجاءتهم هذه الفرصة فجعلوه مكان علي الطنطاوي في سقبا، فآلمه أن يؤول أمر الطلاب الذين علّمهم ورعاهم هذه الرعاية لسنة كاملة إلى هذا المعلم الجاهل. ودّع التلاميذ الصغار وداع الأب لأبنائه وأوصاهم وصيته الأخيرة وغادرهم محزوناً وهم واجمون دامعون.
وكان النقل في الشتاء، فحزم متاعه وبدأ رحلته إلى رنكوس، وكانت الثلوج قد سدت الطريق فلم تبلغ السيارة إلا نصفه، فأكمل الطريق في الجبل مشياً على قدميه وسط الثلوج والبرد القارس ساعتين ونصف حتى وصل القرية، فعجب أهلها الأشداء من الشاب الشامي الذي اقتحم الطريق الصعب ماشياً في هذا الوقت، وعلم منهم أن الحكومة لم تستأجر مقراً للمدرسة وسمع منهم شتماً للحكومة يليق بأهل رنكوس الأشدّاء. وبما أن المدرسة لم تفتتح فلم يكن لديه ما يعمله، فقابل حفاوة أهل القرية واجتماعهم له بخطبة حيّا فيها رجولتهم واستثار إيمانهم ووطنيتهم وحثهم على العلم ليرتقي به أبناؤهم. وتطوع أحدهم فحمله بسيارته إلى صيدنايا، وانتهى بذلك عهد رنكوس القصير.
ورجع إلى الوزارة وأخبرهم خبر مدرسة رنكوس التي لا وجود لها فأعطوه إجازة شهر ثم نقلوه إلى زاكية، وهي قرية في حرة ذات حجارة بركانية كبيرة وأرضها صخرية. وبقي يدرس فيها تلك السنة حتى كانت رحلته إلى الحجاز.
أثناء تدريسه في القرى حصل علي الطنطاوي على شهادة الإجازة (الليسانس) في الحقوق، بعد أن اعترضته صعاب كثيرة على مدى السنوات الأربعة التي أمضاها في الكلية، كان أبرزها دفع أقساط الجامعة، وكان آخر تلك الصعاب تدبر مبلغ رسم الشهادة وهو أربعين ليرة، فأقرضه المبلغ الشيخ عبد القادر العاني وحصل على الشهادة سنة 1933م.
وفي ساعة ضيق بعد تخرّجه كتب مقالة عنوانها "شهادة ليسانس للبيع" عرض فيها بيع شهادته بالتكلفة، كان لها صدى واسع وعلق عليها كثيرون.
في تلك السنة أُنشئ المجمع الأدبي بمبادرة من منير العجلاني، وكان الذي اقترح الاسم علي الطنطاوي، موازياً للمجمع العلمي الذي صار فيما بعد مجمع اللغة العربية.
وفي نفس السنة أنشأ الزيات مجلة الرسالة في مصر، وبدأ علي الطنطاوي يكتب فيها دون أن يلتقي به، وصار له فيها مكانة، واقترب فيما بعد من الزيات الذي صار له بمنزلة الأب أو الأخ الكبير.
وفي أواخر سنة 1934 أصدر كتاب "أبو بكر الصديق" الذي كتبه بطلب من الأستاذ أحمد عبيد أحد أصحاب المكتبة العربية الذي دفع له عن حقوق التأليف ثلاثين ليرة وكان راتبه يومئذ ستاً وثلاثين ليرة.


رحلة الحجاز :

في سنة 1353هـ (1935م) سافر في رحلة الحجاز العظيمة التي خرجوا فيها لاستكشاف طريق السيارات للحج، واستغرقت الرحلة ثمانية وخمسين يوماً قطعوا فيها خمسة آلاف كيل على رمال الصحراء ووصلوا بعد انتهاء الحج، ورأوا فيها من الصعاب أشياء لا تصدق. غرقت سيارتهم في الرمال فكانوا يجرونها بالحبال على أكتافهم، وناموا في وسط الصحراء بين العقارب والوحوش المفترسة، وشحّ عليهم الطعام والماء حتى شربوا من الماء الذي يملؤه الدود. وعلى غير عادته اتخذ علي الطنطاوي في هذه الرحلة دفتراً يدون فيه كلّ ما يمرّ بهم من أحداث وما يطؤونه من أماكن وما يسمعونه من أخبار وأشعار تلك الأماكن، حتى إذا امتلأ الدفتر حين أوشكت الرحلة على نهايتها امتدت إليه يد سارق فأخذته. آلمه فقد هذا الدفتر أكثر مما لو فقد ماله. وحديث هذه الرحلة حديث طويل وممتع. وبعد عودته من الرحلة توفي شيخ الشام الشيخ بدر الدين الحسني واختاروا علي الطنطاوي لينعاه، فخطب في الأموي في حشد هائل من الناس الذين اجتمعوا لجنازته رحمه الله وكان يوماً مشهوداً. وعاد رحمه الله يدرّس في مدرسة المهاجرين في دمشق.


التدريس في العراق وبيروت :

في تلك الأيام كان رحمه الله قد جاوز الخامسة والعشرين ولم يتزوج، ولا يملك مؤونة الزواج، وليس له إلا راتبه البالغ ستاً وثلاثين ليرة، وكان في حرب دائمة بلسانه وقلمه مع أذناب الفرنسيين والفاسدين والماسونيين المسيطرين على وزارة المعارف، فصارت الطرق تسدّ في وجهه زيادة على ما هو فيه من ضيق ذات اليد، فجاءه الفرج على يد الشيخ بهجة الأثري للعمل في العراق. وذهب مع مجموعة من المدرسين منهم رفيقه أنور العطار سنة 1936م، ودرّس طلاب الثانوية في الثانوية المركزية في بغداد، وكان من قبل في الشام لا يدرس إلا التلاميذ الصغار، فتدفق علمه وأدبه وذخيرة قراءاته الكثيرة في تعليم الطلاب الكبار، وفي نفس الوقت كان يدرّس في دار العلوم الشرعية في الأعظمية بجوار مسجد أبي حنيفة بعد انتهاء عمله في الثانوية المركزية، وتعرف فيها على مشايخ بغداد وعلى رأسهم الشيخ أمجد الزهاوي، ودرّس أيضاً في دار المعلمين. وشهد في إقامته في بغداد ثورة دجلة العظيمة التي كادت تغرق بغداد في ليلة مرعبة لا تنسى.
ثم كان لعلي الطنطاوي ولمجموعة من المدرسين منهم الشاعر الجواهري خلاف مع مفتش في الوزارة، فكتب عنه رحمه الله على أثر ذلك مقالة شديدة نشرها الجواهري في جريدته، وكانت حصيلة المشكلة قرار بإنهاء عقده وتسفيره. لكن رفيقه أنور العطار تضامن معه مثل ما فعل علي الطنطاوي معه من قبل في مكتب عنبر قبل ذلك بسبع سنين، فأثار الطلاب ولجأ إلى الأستاذ الأثري في وزارة المعارف والشيخ طه الراوي الذي كان يعمل مع الشيخ رضا الشيبة رئيس مجلس الأعيان فشفعوا له، وتجمّع طلابه وذهبوا إلى وزارة المعارف ثائرين فهدّأهم مدير المعارف وطمأنهم أن علي الطنطاوي سيبقى. لكن خصومه المتربصين به استمروا في مسعاهم لإبعاده، إلى أن نجحوا في نقله إلى البصرة، وسافر إلى البصرة مودعاً طلابه وإخوانه في بغداد. وكان مع طلابه في البصرة كما كان مع طلابه في بغداد.
بعد سنته الأولى في العراق، قُدّر له أن يمضي سنة في بيروت، فعندما جاء دمشق في إجازة الصيف بعد نقله إلى البصرة، عرض عليه الشيخ صلاح الدين الزعيم التدريس في الكلية الشرعية في بيروت وذلك سنة 1937م، فقبل لما رأى من تربص أناس له في العراق ولقرب بيروت من دمشق وسهولة السفر إليها، فكان يقضي ثلثي الأسبوع في بيروت وثلثه في دمشق. وعاش تلك السنة بين طلابه الذين سعد بصحبتهم، وكان منهم الشيخ الشهيد حسن خالد الذي صار فيما بعد مفتي الجمهورية، وكان يصحبهم للمشي يصعدون الجبال وينزلون الوديان.
في تلك السنة أصابه مرض ظن أنه من حصاة في كليته اليمنى كانت عنده من زمن، ثم تبين أنه التهاب الزائدة الدودية، فأخذوه إلى مستشفى الدكتور محمد خالد ابن المفتي الذي كان جراحاً فأخبره أن لا بد من عملية جراحية، لكنه هرب من المستشفى وركب إلى الشام فرافقه الشيخ صلاح الزعيم إلى بيته في دمشق، وأجريت له العملية وبقي بعدها على السرير أربعين يوماً. كان العام الدراسي في آخره وقد بقي منه أقل من شهر فوكل صديقه الشيخ صالح فرفور ليدرس الطلاب بقية المدة.
بعد خروجه من المستشفى آثر العودة إلى بغداد لأن تكرار السفر كل أسبوع إلى بيروت لم يكن سهلاً عليه بعد الجراحة التي أجريت له. فعاد إليها في أواخر سنة 1938م ودرّس في الثانوية الغربية في بغداد، وتحدث في إذاعة بغداد.
في هذه المرة جاء بغداد وترك قلبه في الشام التي تئنّ تحت حكم الفرنسيين، فكتب في أوائل
سنة 1939م مقالة جعلها رسالة مفتوحة إلى الملك غازي استصرخه فيها لنصرة سورية الأسيرة، قامت على أثرها مظاهرة في بغداد لنصرة سورية، خرجت فيها بغداد كلها إلى الشوارع، خطب فيها خطباء كثر ومنهم علي الطنطاوي، الذي لم ير مثل تلك المظاهرة قبلها ولا بعدها. وما مرت عشرة أيام إلا قُتل غازي، فبكته العراق ورثاه علي الطنطاوي في مقالة خرجت من قلبه. وعاد رحمه الله في الثانوية الغربية إلى سيرته في تدريس طلابه الأذكياء الذين أحبهم وأحبوه وأخلص في تعليمهم وتربيتهم وكان أخاً كبيراً لهم في المدرسة وخارجها.
في تلك السنة كانت دعوة القومية العربية قد قويت وسادت وزارة المعارف، فمن الإسلاميين من ساير ولان دون أن يخرج عن طريقه، ومنهم من جاهر بدعوته وحارب القومية المنافية للدين، التي تريد أن تبدل قول الله: "إنما المؤمنون أخوة" وتحل محله إنما العرب إخوة، وكان أبرز هؤلاء علي الطنطاوي وأحمد مظهر العظمة وعبد المنعم خلاف، فنقلوهم إلى مناطق الأكراد في الشمال، قالوا لهم: ما دمتم لا تفرقون بين المسلم العربي والمسلم غير العربي فاذهبوا فعلموا الأكراد المسلمين. وكان نصيب علي الطنطاوي النقل إلى كركوك.
وانتقل إلى كركوك فاكتشف أن كل مدرسي اللغة العربية لا يسلمون من أذى الطلاب الأكراد الذين كانوا ذوو بسطة في الأجسام، فدخل على أكبر الفصول في غفلة من المدير الفاضل الذي كان يريد أن يصرفه عن الدخول عليهم خوفاً عليه منهم، فوجد الشر في عيونهم، فخاطبهم قائلاً: يا أبنائي جئت أعلمكم العربية لا خدشاً للكردية ولكن لأنها لغة نبيكم محمد ولغة الكتاب الذي أنزل على محمد، ولنجتمع عليه على الإخوة الإسلامية فنمحوا الدعوة الجاهلية، وسألهم ألا تحبون محمداً قالوا: نعم نحبه عليه الصلاة والسلام، ثم قال: ألا تريدون أن تقرؤوا كتاب الله قالوا: نعم وإننا لنقرؤه، فقال لهم: إن الله أمر بتدبر القرآن فكيف تتدبرونه إن لم تعرفوا العربية؟ ثم خاطبهم: يا أبنائي لقد نقلوني إليكم لأني أبيت الدعوة الجاهلية التي تفرق الأمة الواحدة، ثم دعاهم لتعلم العربية ليفهموا كتاب ربهم. تأثر الطلاب حتى كادوا يبكون وحملوه على رؤوسهم وساروا يهتفون، فلما سمع المدير أصواتهم ظنهم قد انقضوا عليه يريدون به الأذى فاستدعى الشرطة، ففوجئوا بالطلاب يخرجون وهم يحملونه على أكتافهم. وعاش بين طلابه في كركوك حياة هادئة. كان يبيت في الفندق ويأكل في مطعم ملحق به، ويزور من وقت لآخر رفاقه أحمد مظهر العظمة الذي نُقِل إلى إربيل، وابن عمه الدكتور سامي الطنطاوي رفيق صباه في السليمانية.






لأنك تعلم ! غير متواجد حالياً  
قديم 25-11-2007, 12:09 PM   #3
لأنك تعلم !
عضوية الوسام
 
الصورة الرمزية لأنك تعلم !



لأنك تعلم ! - مشترك في عضوية الوسام

لأنك تعلم ! is on a distinguished road

افتراضي ( 3 - 4 )






.....



العودة من العراق وزواجه :


بقي في كركوك والشام تحت حكم الفرنسيين تزداد الأمور فيها سوءاً حتى جاء العهد الذي سُمّي بحكومة المديرين، عندما عُزل الوزراء وعُطِّل الحكم النيابي، وجيء بمديري الوزارات وتسلموا الأمور. ضاق صدره رحمه الله بهذه الأخبار وخشي أن تقوم الحرب فتنقطع به السبل عن أهله، وكان قد عقد زواجه، ثم فكر واستشار واستخار وقرر الاستقالة والعودة إلى دمشق. واستقال وسافر بالقطار إلى حلب فلقي فيها الشيخ مصطفى الزرقاء ومنها سافر إلى دمشق.
بعد عودته عام 1939م كتب إلى وزارة المعارف ليعود إلى عمله بالتدريس، فعُيِّن مدرساً معاوناً في مدرسة التجهيز؛ وهي الثانوية الرسمية التي كان اسمها مكتب عنبر. ودرّس فيها خلفاً لأستاذه إمام العربية الشيخ عبد القادر المبارك.
وفي هذه السنة تزوج علي الطنطاوي من عائدة ابنة القاضي صلاح الدين الخطيب (جدّتي عليها رحمة الله) وهي قريبته من جهة أمه، جدها لأبيها الشيخ أبو الفرج وجده لأمه الشيخ أبو الفتح شقيقان.
ثم كان هناك احتفال بالمولد النبوي عام 1940م، فأُلقيت خطب ومحاضرات كان منها محاضرة كتبها ميشيل عفلق ألقاها عنه زميل له، وذلك قبل أن يدعو بدعوة حزب البعث، وكانت المحاضرة تمجيداً للنبي كعظيم من العظماء دون ذكر لنبوته صلى الله عليه سلم، وكان علي الطنطاوي يتقد حماسةً في تلك الأيام، فلم يصبر على هذا الكلام، فقفز إلى المسرح وأخذ بتلابيب المحاضر ورمى به من على المسرح، واستلم "المايكرُفون" فتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم كما ينبغي له. وهاج الناس وانقسموا بعد ذلك بين مؤيدين له وهم الأكثر وآخرون عليه، ونصرته الجمعيات الإسلامية التي اجتمعت كلها على بيان وزعوه نصرة له، لكنه عُوقِب بنقله إلى دير الزور على حدود العراق.
وسافر إلى دير الزور عام 1940م في الشتاء البارد في سفرة شاقة. وأقام فيها شهوراً كان فيها مستريحاً، وعرف مجموعة من كِرام أهلها وأنِسَ بصحبتهم. ودرّس في مدرستها الثانوية مدة قصيرة، ثم جاءت العطلة النصفية وأعدَّ عدته ليمضيها في دمشق، وكان خروجهم في يوم جمعة وكان وقت الصلاة قد اقترب فرأى أن يُصلّوا الجمعة وينطلقوا بعدها، فوافق رُكَّاب السيارة ونزلوا يصلون، وإذا بالشيخ حسين السراج يقول له أنهم يريدونه أن يخطب بهم الجمعة. وكانت البلاد تغلي في تلك الأيام بعد بداية الحرب العالمية الثانية وقد سقطت باريس في يد الألمان، فقال للشيخ "أخشى أن تطغى بي الحماسة فأقول ما لا يناسب المقام"، فقال له الشيخ حسين "قل ما تشاء". فخطب خطبة حمَّس الناس فيها على المُحتلين الفرنسيين وسخر منهم أن نعال الألمان وطِئت عاصمتهم، فثار الناس وكان يظنهم كأهل الشام يتظاهرون ويهتفون وإذا بأهل الدير كأهل العراق؛ بركانٌ مُتفجِّر وزلزالٌ مدمِّر، فخرج المُصلون من المسجد يريدون الفرنسيين ليسحقوهم، وجاءت الشرطة وأراد الجُنود القبض على علي الطنطاوي، فمنعهم منه الناس الثائرون الذين حفّوا بسيارته ورافقوه حتى غادرت السيارة البلد. وبعد أن قطعوا تَدمُر كان قد جاء أمر آخر بالهاتف بالقبض عليه، لكن ركاب السيارة حالوا بينهم وبينه إلى أن بلغ دمشق. هناك استدعاه وزير المعارف ليقول له أن يستريح ولا يعود لدير الزور، فأجابه أنه مستريح هناك ولا يشكو شيئاً، فلمَّا راوغه قال له الوزير صراحة أن المُستشار الفرنسيّ يرفض عودته للدير. فقال له: كيف أبقى بلا عمل؟ قال: سنعطيك إجازة مرضيَّة. فقال له: لكني لست مريضاً، فضحك الوزير وأجابه: سنختار لك مرضاً ترضاه. وعاد علي الطنطاوي يكتب ويخطب ويشارك في الأحداث في دمشق بعد عودته من الدِّير كما كان من قبل.
وكانت له رحمه الله تجربة قصيرة في المحاماة في تلك السنة، وانتسب إلى نقابة المحامين لكنه لم يُرافِع إلا في قضايا معدودة، أحسّ بعدها أنه لا يصلح للمحاماة ولا تصلح له.


في القضاء :

ساق قَدَر الله علي الطنطاوي إلى القضاء عام 1941م، عندما رأى إعلاناً في ساحة المرجة يدعو حَمَلة إجازة الحقوق للدخول في القضاء، وكان قد بقي على وقت التقديم يومان فقط، فمرَّ على صديقه محمد الجيرودي فاستعار منه الكتب ومجلة الأحكام العدلية وبدأ الاستعداد للامتحان الصعب، ولما كان عدد المتقدمين قليلاً فقد ألغت وزارة العدل شرط مدّة التدريب في المحاماة، فزالت هذه العقبة التي كانت تعترضه، ومُدِّدت مدة التقديم عشرة أيام. وانقطع للقراءة بعد أن قُبل للمسابقة واعتزل الناس وتفرغ تماماً لهذا الأمر، حتى حفظ مواد المجلة البالغة 1800 مادة، وغاص في قوانين الأحوال الشخصية والكتب الفقهية، ثم حان وقت الامتحان وهو لم يكمل استعداده بعد، فأكرمه الله بتأجيل الامتحان لقلَّة عدد المتقدمين له فاستطاع أن يكمل استعداده، ودخله بعد ذلك ونجح فيه مع أوائل الناجحين، وعُيِّن قاضياً شرعياً في النَّبك الواقعة في منطقة جبلية مرتفعة. وإدراكاً منه لمسؤولية القضاء الذي سيتولاه طلب من الوزارة مهلة شهر، واظب فيه في المحكمة الشرعية في دمشق حتى يعرف كل المعاملات وأصولها.
انتقل إلى النَّبك قاضياً، وكان من توفيق الله له أن هيّأ له بداية ناجحة في عمله الجديد في القضاء، فبدأ عمله بقضية كبيرة، بلغت أوراقها آلافاً، وكان يأتيها كبار محاميّ دمشق، فتهيَّبها ولبث ينظر فيها أياماً وقرأ مئات الأوراق، ثم ألهمه الله أن ينظرها من أولها، فوجد الدعوى التي قامت عليها القضية كلها غير صحيحة، وأعاد النظر فيها وتأكد من ذلك، فذهب صباح اليوم التالي إلى المحكمة وكِبار المحامين يتربَّصون به ليختبروه كما يفعلون مع كل قاضٍ جديد، وإذا به يفاجئهم بختام المحاكمة، وذلك وسط اعتراضات المحامين وتوقعهم أن ينالوا من القاضي الجديد الذي لا خبرة له، ثم أصدر قراره بردِّ الدعوى. وإذا بهم يدركون المتاهة التي كانوا يسيرون فيها ويهنئونه على قراره، وصار الأمر حديث الأوساط القضائيَّة. وبقي في النَّبك قرابة سنة، أمضى فيها أياماً ممتعة نافعة وحمل معه منها ذكريات جميلة، وكانت له مع أهل النَّبك مجالس نافعة، يجمع الموظفين على قراءة كتاب نافع بدل ما كانوا فيه من إضاعة الوقت في اللهو والكلام الفارغ.
ثم انتقل قاضياً في دوما في ضواحي دمشق عام 1942م، خلفاً للشيخ أنيس الملوحي الذي كان قد درّبه على القضاء. وصار من سكان دمشق ينتقل إلى دوما صباحاً ويعود منها ظهراً. وفي محكمة دوما أجرى إصلاحات ووضع أنظمة لتسهيل المعاملات وأصلح بين الناس، وحارب الفساد وضرب على يد المفسدين.
وفي هذه السنة بدأ حديثه في إذاعة دمشق الذي استمر عشرين سنة، تخللها انقطاع في سنوات الوحدة تم عاد ثانية بعد الانفصال.
وفي العام التالي انتدب مؤقتاً للعمل في محكمة دمشق أثناء سفر القاضي الممتاز للحج، ثم عُيّن قاضياً رسمياً فيها عام 1943م، وصار القاضي الأول (القاضي الممتاز) بعد وفاة الشيخ عزيز الخاني ومقتل الشيخ عادل العلواني ونقل الشيخ صبحي الصباغ مستشاراً في محكمة النقض، فعمل على نقل الشيخ مرشد عابدين الذي كان قد خلفه في محكمة النَّبك ومحكمة دوما، فجاء معه إلى محكمة دمشق وتعاونا في العمل فيها. أعاد رحمه الله ترتيب المحكمة وتنظيم معاملاتها وإصلاح موظفيها، والتيسير على الناس، ومنع الفساد والكسب غير المشروع. وجعل لكل معاملة مدة لإنجازها، وأعلن للناس أن يراجعه كل من تتأخر معاملته عن الأجل المحدَّد. فصلح أمر المحكمة وسهلت معاملات الناس وخاصة عقد الزواج. وكان له أثر كبير ليس فقط في إحقاق الحق وإنصاف المظلوم، بل في الإصلاح بين الناس أيضاً. كان يأتيه الزوجان وقد اندلعت بينهما الحرب وأذكى نارها أفراد العائلتين، فيطرد الجميع ما عدا الزوجين ويغلق عليهما باب الغرفة ساعة فيصطلحا ويخرجا من المحكمة وقد أسقطا الدعوى. وكانت له مواقف جريئة في الصدع بالحقِّ والثبات عليه. وبقي قاضي دمشق عشر سنوات. وكان يمضي يومه في المحكمة، ويتغدى فيها لبعد داره عنها، ويبقى أحياناً إلى المغرب فيصلِّي ويذهب إلى بيته.
وكلفته الكلية الشرعية بدمشق عام 1944م بتدريس الثقافة الإسلامية ولم تكن هذه المادة معروفة من قبل.
في السنة التالية 1945م زار مصر بعد غياب ستة عشر عاماً، وجاءته هذه السفرة على غير ميعاد؛ كان جالساً مع بعض إخوانه وإذا بمجموعة شبان يتكلمون عن عزمهم السفر إلى مصر مع الشيخ محمد الحامد، ففاجأهم علي الطنطاوي بقوله: هل تأخذوني معكم؟ فرحبوا به أجمل ترحيب. ورافقهم في سفرتهم وبقي في مصر شهرين. ذهب أولاً إلى خاله محب الدين الخطيب، ثم إلى دار الرسالة مهوى القلب فلقي الأستاذ الزيات الأخ الكبير الذي كتب عنده كثيراً ولم يلتق به من قبل، وزار الشيخ حسن البنا الذي أقام حفلاً في دار الإخوان احتفاء به، وفي هذه الحفلة عرف علي الطنطاوي لأول مرة الشيخ الصواف الذي صار فيما بعد من أقرب وأحب الناس إليه.
وفي نهاية هذه السنة كُلِّف رحمه الله بوضع قانون الأحوال الشخصية، وأُوفد إلى مصر مع نهاد القاسم آخر عام 1946م، وسافر مع عائلته وبقي هناك مدة تزيد عن السنة، وكان له ولرفيقه مكتبان في إدارة التشريع في وزارة العدل. كانا يذهبان لهذه الإدارة كل يوم، يعملان مع القضاة والفقهاء والعلماء في مصر في مناقشات وبحوث وجدالٍ طويلٍ في مسائل الأحوال الشخصية.
وأشرف على مجلة الرسالة لشهور أثناء وجوده في مصر عندما غاب الزيات لمرضه. كما ترشح لانتخابات الشام في تلك السنة، لكنه ندم على ذلك.
وأثناء إشرافه على الرسالة خاض معركة فكرية وأدبية كبيرة بدأت في الجامعة ثم شغلت الناس وعمت البلد وانتهت في المحكمة. بدأت المعركة بخبر في الرسالة عن رسالة دكتوراه أعدها مُعيد في الجامعة وأشرف عليها أستاذ فيها، وكانت الرسالة عن قصص القرآن وجمعت بين الكُفر والجهل، وأصرَّ عليها صاحبها وأصرَّ الأستاذ المشرف عليه على مساندته، وكتب رحمه الله عن هذا الأمر الجلل بكلمات من نارٍ واشتعلت الدنيا حرباً بينهم، سانده فيها جماعة الأزهر وكثير من العلماء والدُّعاة في مصر.
عاد بعد ذلك إلى محكمة دمشق. وانتُدِب عام 1949م للعمل قاضياً في وادي العجم بالإضافة إلى عمله قاضياً في دمشق، فجعل له يوماً في الأسبوع، وكان يصطحب معه أهله في ذلك اليوم، فيذهبون يتنزهون بين الينابيع على سفح جبل الشيخ بعد أن ينتهي من عمله في المحكمة. وبقي على ذلك حتى عُيِّن للمنطقة قاضٍ ثابت.
وفي نفس السنة حلّ محلّ رفيقه أنور العطار في تدريس الأدب لطالبات الثانوية الأولى للبنات ودار المعلمات، بسبب نقله إلى وزارة المعارف في وظيفة كان يسعى لها، وكان يدرّس معه في المدرسة شيخه الشيخ بهجة البيطار، وكانت البنات مستورات فلم يريا ما يكرها، حتى كان يوم شاهدا فيه مجموعة من البنات المتكشفات في درس الرياضة فتركا التدريس في المدرسة، وكان قد بقي على نهاية العام عشرة أيام..
وفي عام 1952م كانت له جولة أخرى في إنكار المُنكر ومحاربته، عندما أُقيمت حفلة رقصة السَّماح لطالباتٍ دوحة الأدب، وحضر الحفلة حاكم البلد وقائد الجيش العقيد أديب الشيشكلي ورئيس الوزراء، فكتب وتحدَّث في إنكار ما حدث ثمَّ تحدث في خطبة الجمعة في مسجد الجامعة، ولم يكن يعتزم العودة للحديث في الأمر يومها، لكن غضبه لله أطلق لسانه بخطبة ناريَّة هاجم فيها من أعدَّ الحفلة ومن حضرها ومن رضي بها، وكانت الخطبة تُنقل من الإذاعة على الهواء، فتحدَّثت بها البلد وغضبت عليه الحكومة، وحملت عليه أكثر الجرائد حملة شديدة، بينما أيَّده أكثر الناس وتضامنت معه الجمعيات الإسلامية فنشرت بياناً طبعوا منه أكثر من مئة ألف نسخة ووزع في كل أنحاء الشام. أعقب ذلك استجواب الحكومة في مجلس النُوَّاب، وانتهت القصة بمحاكمته رحمه الله أمام مجلس القضاء الأعلى والحكم عليه بخصم عُشر راتبه لشهرين.
وفي نهاية السنة شارك في حلقة الدراسات الاجتماعية الثالثة لجامعة الدول العربية.
في عام 1953م انتهت سنواته العشرة في المحكمة الشرعيَّة في دمشق بقرار نقله مستشاراً في محكمة النَّقض.


المؤتمر الإسلامي ورحلة الشرق وأيام في الدعوة إلى الله :

في تلك السنة 1953م شارك في المؤتمر الإسلامي في القدس، وكان هذا هو المؤتمر الإسلامي الوحيد الذي شارك فيه، واختير رئيساً لإحدى اللجان الثلاث التي انتخبها المؤتمر، وهي لجنة الدعاية لفلسطين، وكُلِّف برحلة إلى الشرق من أجل ذلك سافر فيها في العام التالي 1954م. كان معه في اللجنة الشيخ أمجد الزهاوي والشيخ الصواف من العراق، والشيخ الإبراهيمي والأستاذ الفضيل الورتاني من الجزائر فاعتذر كلاهما، واضطرّ الشيخ الصواف للرجوع من كراتشي لأمر هام، وبقي في الرحلة علي الطنطاوي والشيخ الزهاوي بركة العصر، فزاروا باكستان والهند وسنغافورة والملايا وأندونيسيا. وحديث هذه الرحلة حديث طويل.
وفي نفس السنة ذهب رحمه الله في رحلة الحج بصحبة وفد المؤتمر الإسلامي في القدس. وفيها رأى الموت عندما غرق في البحر في بيروت وكتب عن هذه الحادثة.
في عام 1955م عاد يتحدث في إذاعة دمشق، وبدأ التدريس في كلية الشريعة في دمشق؛ وكان أول من درَّس الثَّقافة الإسلامية وفقه السِّيرة، لكنه لم يبقَ فيها طويلاً فقد رفض الاستمرار بالتدريس وتركها بعد أن بدأ نظام الاختلاط بين الطُلاب والطالبات.
وكانت له زيارة للكويت في العام التالي 1956م بدعوة من جمعية الإصلاح، ألقى فيها مجموعة محاضرات على مدى أسبوع.
ومرض في عام 1957م مرضاً طويلاً أُدخل فيه إلى مستشفى المجتهد ثم في مستشفى كلِّية الطِّب بجامعة دمشق.
وبعد الوحدة مع مصر عام 1958م، سافر عام 1959م مع وفد من العلماء والنواب بلغوا خمسين عالماً إلى مصر، والتقوا مع الوزير كمال الدين حسين، يشتكون من الفساد وسوء الأوضاع في سورية أثناء الوحدة والمنكرات التي عمت البلد، ويدافعون عن الدين ويطالبون بالإصلاح.
ودُعي في نفس السنة لحضور اجتماع للجمعيَّة العموميَّة لمحكمة النقض في مصر، بعد دمج محكمتي النَّقض في سورية ومصر في محكمة واحدة في القاهرة، فسافر مع عائلته ومكث فيها أكثر من شهر. وكانت له كلمة في نادي القضاة فعرفه الناس بعدها. وفي هذه الزِّيارة جدَّد العهد بالمطبعة السلفيَّة ومجلة الرِّسالة، وكان ذلك آخر عهده بمصر.
وجمع العلماء عام 1959م بناء على مبادرة من الشيخ أمجد الزهاوي الذي جاء ومعه الشيخ محمد محمود الصواف، وتمخض اجتماعهم عن توقيع الميثاق الإسلامي.
في شتاء 1959م كان رحمه الله يكتب سيرة الإمام النووي ضمن مجموعة أعلام التاريخ التي أصدرها في تلك السنة، وكان المطر قد انقطع لسنواتٍ والناس في جدب وجفاف. وجاء في سيرة الإمام النووي أن المطر انقطع سنواتٍ في أيامه فدعى الإمامُ إلى إحياء سُنَّة صلاة الاستسقاء وكتب بذلك إلى الملك الظاهر، وخرج الناس سنة 668هـ يستسقون فسقاهم الله ونزل المطر.
وكان لعلي الطنطاوي يومئذٍ حديث أسبوعيٌّ في الإذاعة بعد صلاة الجمعة، فدعا فيه إلى إحياء سنّة الاستسقاء التي تُركت ونُسيت في الشام من أكثر من مئة سنة. ثم دعا الناس في حديث أول شتاء عام 1960م إلى الاستسقاء وحثهم على التوبة الاستغفار، ودعا الخطباء أن يحُثُّوا الناس في خطبة الجمعة القادمة على الخروج للاستسقاء، ودعا الناس أن يصوموا ثلاثة أيام قبل الجمعة التي تليها، ثم يخرجوا صباح يوم الجمعة إلى سفح جبل قاسيون يستسقون ويتضرّعون إلى الله أن يسقيهم الغيث ولا يجعلهم من القانطين. ثم أتاهم بأحكام صلاة الاستسقاء على جميع المذاهب، ووفقه الله أن تصدر الدعوة للاستسقاء من رئيس رابطة العلماء؛ الشيخ أبي الخير الميداني، ونائبه السيد مكي الكتاني. واحتشد الناس في سفح الجبل في تلك الجمعة، وتوجهوا إلى الله بقلوب خاشعة، وصلّوا صلاة الاستسقاء، ثم خطب فيهم رحمه الله وتكلم بعده السيد مكي الكتاني، وحفَّت الجموع المحتشدة نفحة من نفحات الله، وملأت قلوبهم مشاعر الإيمان، وارتفعت أصواتهم بالدعاء والبكاء وكان يوماً مشهوداً. وما هي إلا أيامٌ معدوداتٌ حتى نزل الغيث فأحيا البلاد والعِباد.
وفي أحد لقاءات المشايخ والشباب في عام 1960م اقترح علي الطنطاوي إقامة أسبوع ثقافي، يخطبون فيه يُعرِّفون بالدين ويدعون الناس إلى الخير، واتفقوا أن يبدؤوا ذلك في جامع تنكز في وسط البلد، ثم ينتقلون كل أسبوع من مسجد إلى آخر. وافتتح اللقاء السيد مكي الكتاني نائب رئيس رابطة العلماء، ثم ألقى علي الطنطاوي المحاضرة الأولى، وكانت حديثاً طويلاً مُزلزلاً حمل فيه على المفسدين، فاهتزت دمشق بأسرها لهذه الكلمة، وصارت حديث الناس في كل مكان.
في عام 1961م كان الانفصال، وحديث الانفصال طويل، لكنه كان بعد تضييق على الشام وأهلها، تضييق في الدِّين وفي الحُرية وفي المال، ففرح الناس بالخلاص من هذه وليست الوحدة هي التي أرادوا الخلاص منها، وما كانوا ليكرهوا الوحدة ولا ليفرّطوا فيها. في سنوات الوحدة فرضت الاشتراكيَّة وحُورِب الدين، وأُبيح الاختلاط بين الشباب وكُشفت العورات، وحورب أصحاب الأملاك والصناعات التي بنَوها بجُهدِهم وكانت كسباً للبلاد، فسلبت منهم أموالهم ودُمرت صناعاتهم وكل ذلك باسم الاشتراكية، وسلبت من الناس حريتهم وبُثَّ الجواسيس في كل مكان ليحصوا عليهم كلماتهم وحركاتهم وسكناتهم. كان بباب علي الطنطاوي جاسوس من هؤلاء يتبعه أينما ذهب، فكان رحمه الله يمشي به ساعاتٍ في يوم جمعة لا عمل له فيه وكان بطبعه يحب المشي. وكانوا يستجوبون الذين يحضرون مجالسه. فلما كان الانفصال فرح الناس به كأنما خرجوا من سجن. وطلب القائمون عليه من علي الطنطاوي أن يخطب الجمعة في المسجد الأموي لتذاع الخطبة من الإذاعة، ولكنه لم يكن قد عرف هويتهم وخشي أن يكونوا بعثيين أو شيوعيين أو فاسدين، فاعتذر عنها، ثم عادوا فطلبوا منه أن يلقي كلمة في الإذاعة وكان قد عرف أسماء القائمين على الانفصال فقبل. وألقى كلمة في الإذاعة كانت حديث البلد، وألقى بعدها خطبة الجمعة وأذيعت من جامع التوبة وأحدثت أيضاً ضجَّة كبيرة. بعد الخطبة بعشرة أيام نشرت إحدى الصحف الناصرية في صفحتها الأولى خبراً بالخطِّ العريض: "ذبح الشيخ الطنطاوي في داره"، ثمَّ جاؤوا بتفاصيل عن عملية القتل كيف نُفِّذت، ووصفوا الطعنات التي أصابته، ونقلت ذلك صحف أخرى وتحدث الناس بهذا وبكاه ونعاه الكثيرون. بعد انتشار خبر موته عرضوا عليه أن يظهر بالرَّائي ليكذب الخبر، فتردد في الموافقة خشية أن يدعو ذلك الناس إلى اقتناء الرائي ويكون منه ضرر عليهم فيأثم بذلك، ثم ألحُّوا عليه ورأى نفعاً بهذا فوافق، لكنه اشترط ألا يرى في طريقه امرأة سافرة، فحبسوا البنات في الغرف وأغلقوا عليهنَّ، وكانت تلك هي المرة الأولى التي ظهر فيها في الرَّائي وتحدَّث فيه، فكانت تجربة جديدة عليه بعد تاريخ طويل في الحديث الإذاعي والخطابة، فتصور نفسه في مجلس يتحدث فيه وألقى كلمة ارتجلها. تكلم فيها عن الحادثة وجعلها موعظة لطيفة ذكَّر الناس فيها بالله والآخرة.


إلى مكة المكرمة :

في سنة 1281هـ (1962م) اصطحب رحمه الله عائلته إلى الحج، وفي هذه الرحلة كان الاجتماع الذي انبثقت عنه رابطة العالم الإسلامي، وكان هو من الهيئة التأسيسيَّة، لكنه عاد فاعتذر عنها كما هي عادته.
في تلك السنة كاد أن ينتقل إلى مكة أستاذاً في كلية الشريعة، وكان الشيخ الصواف بعد استقراره هناك يلحُّ عليه بذلك منذ مدة، ووافق وجاءته الأوراق الرسمية واكتملت المعاملات ولم يبقَ إلا أن يستلم التذكرة، وإذا به يعتذر لوكيل وزارة المعارف الذي قدم الشام ويعدل عن السفر، ويعود إلى المحكمة من جديد.
في السنة التالية 1963م قدّر الله له أن ينتقل إلى المملكة العربية السعودية ويقيم فيها ستّاً وثلاثين سنة حتى توفاه الله، لكنه سافر إلى الرياض في تلك السنة بدلاً من مكة المكرمة، أستاذاً في الكليات والمعاهد التي صارت فيما بعد جامعة الرياض، وانضم إليه بعد ذلك أخوه ناجي مستشاراً في وزارة الأوقاف فسكنا معاً في بيتٍ واحد، وذات ليلة عاد إليه مرضه القديم فأصابته نوبة ألم الكلى، وحملوه إلى المستشفى المركزي وهو يتلوَّى من الألم، وقرروا له عملية جراحية فآثر أن يعملها في الشام بين أهله. وسافر إلى الشام ودخل مستشفى المواساة، وكان في المستشفى أيضاً في مبنى آخر أخوه عبد الغني الذي انهار جدار على ساقه فهشَّمها وأجريت له عملية جراحية، وكان فيها أيضاً رفيقه أنور العطار في غرفة بجوار غرفته لكن كلاهما لا يقدر على الانتقال ليرى صاحبه. وانتهى العام الدراسي وقرَّر عدم تجديد عقده والعودة إلى الشام، لِما أصابه من المرض ولِما كان فيه من الوحدة بعيداً عن أهله.
وفي صيف ذلك العام جاءه عرض جديد، أن يذهب إلى مكة المكرمة، فقبل بلا تردُّد. واتفق مع الشيخ مصطفى السِّباعي أن يسافرا معاً، ولكن في يوم السفر جاءه خبر وفاة الشيخ مصطفى رحمه الله.
وجاء مكة عام 1384هـ (1964م) أستاذاً في كلية التربية، وسكن عمارة الكعكي في أجياد، وأعانه إخوة كرام على تدبير سكنه ومعاشه، ودرَّس في كلية التربية مادة الثقافة الإسلامية التي كان أول من درسها عندما بدأ تدريسها في سورية. ودرس الطلاب الإنشاء وعلمهم فيه أشياء جديدة في أوقات إضافية على الدرس الأصلي. واستمر يدرّس الطلاب على طريقته التي لزمها دائماً، يزرع حبَّ العلم في نفوسهم بعد زرع الإيمان، ويعرِّفهم كتب العلم، ويعلمهم كيف يراجعون المسائل.
وكان يمر بالثانوية في طريقه إلى الكلية في العزيزية وكان له فيها لقاءات، كذلك كان يمر على إدارة مجلة الحج قرب داره ويستمتع بمجلس رئيس تحريرها الأستاذ سعيد العمودي، الذي ذكره بمجلس خاله محب الدين الخطيب في المطبعة السلفية في مصر.
ثم كُلِّف رحمه الله ببرنامج التوعية الإسلامية، يطوف على الجامعات والمعاهد والمدارس في أنحاء المملكة، يلقي الدروس والمحاضرات.
وفي عام 1966م أُقيل من القضاء في سورية، وكان ذلك خاتمة مسيرة طويلة في القضاء دامت
رُبع قرنٍ من الزمان.
في عام 1967م بدأ برنامجه في الرَّائي السعودي "نورٌ وهدايةٌ" الذي عرفه فيه جمهورٌ عريض من المشاهدين داخل وخارج السعودية، ودام قرابة رُبع قرنٍ. وكذلك بدأ برنامجه في الإذاعة السُّعودية "مسائل ومشكلات"، وفيما بعد برنامج رمضان في الرَّائي "على مائدة الإفطار".


الفصول الأخيرة :

زار ألمانيا وبلجيكا وهولندا في عام 1970م، وشارك في مؤتمر اتِّحاد الطلبة المسلمين في كيسن، إحدى المُدن الألمانية، وزار المركز الإسلامي في آخن في ألمانيا، الذي يرأسه الأستاذ عصام العطَّار؛ صهره وزوج ابنته الشهيدة بنان، وجال في مدن ألمانيا وبلجيكا وهولندا، فالتقى بالشباب وحدثهم.
وشارك في صيف عام 1971م في الموسم الثقافي لوزارة الأوقاف والشؤون والمُقدسات الإسلامية في الأردن، وألقى مجموعة محاضرات في مدن الأردن المختلفة، وعرفه الناس وأحبّوه.
واستضافه بعد ذلك الشيخ إبراهيم زيد الكيلاني في برنامج "الإسلام والحياة" في الرَّائي الأردني في صيف عام 1973م، واستمر بالظهور بعد ذلك في كثير من حلقات البرنامج وأحبَّه المشاهدون.
وعاد وزار ابنته الشهيدة بنان في ألمانيا مرة ثانية في عام 1976م، على هامش مؤتمر اتِّحاد الطلبة المسلمين في دسلدورف دون أن يشارك فيه.
وفي صيف العام التالي 1977م زار دمشق بعد انقطاع 5 سنوات عنها، وكانت تلك الزيارة آخر عهده بدمشق.
وفي عام 1981م أصابه الجرح الأبلغ في حياته؛ يوم استشهدت ابنته بنان غدراً بأيدٍ آثمة في دارها بألمانيا، الجرح الذي لم يندمل أبداً. مضى على الحادثة خمس سنوات كاملات قبل أن يستطيع رحمه الله أن يفتح فمه بالكلام عنها أو يمسك قلمه فيكتب عنها، لكنه لم يتكلم إلا كلمات قليلات ولم يكتب إلا سطوراً معدودات، ما استطاع أكثر، وبقي الجرح ينزف في قلبه حتى توفَّاه الله.
وفي محرم 1402هـ (1981م) بدأ رحمه الله بكتابة ذكرياته التي سار فيها على نحوٍ غير مألوف، كما كان شأنه في كثير من أحوال حياته. وكان فيها متحدثاً على سجيَّته، يبدأ موضوعاً ثم ينتقل إلى غيره ويستطرد كثيراً كما هي عادته، ولا يعود أحياناً إلى إتمام ما بدأه. واستمر فيها ثماني سنوات إلى أن قلّت همته وثقل عليه الاستمرار فختمها عام 1989م.
وكان حصوله على جائزة الملك فيصل العالميَّة لخدمة الإسلام عام 1990م على أبواب اعتزاله، فبعد ذلك بسنة اكتمل انسحابه من نشاطاته العامة بتوقفه عن برنامجه في الرَّائي "نورٌ وهداية"، وكان برنامجه الإذاعي "مسائل ومشكلات" قد توقف قبل ذلك بمدة.
وأمضى سنواته الأخيرة وسط عائلته الكبيرة الملتفّة حوله، وبين إخوانه وتلاميذه الذين كانوا لا يتركون مجلسه كل مساء.
وشاخ الجسم الذي جاهد تسعين سنة، لكن العقل بفضل الله بقي متوقداً إلا من بعض النسيان، والقلب بقي حياً ينبض بآلام الأمة وآمالها بينما هو يتابع الأحداث ويعيشها، إلى أن لقي ربَّه يوم الجمعة الرَّابع من ربيعٍ الأول 1420 الموافق 18 حزيران (يونيو) 1999م،عليه رحمة الله، وتقبَّله الله مع عباده الصالحين.







لأنك تعلم ! غير متواجد حالياً  
قديم 25-11-2007, 12:11 PM   #4
لأنك تعلم !
عضوية الوسام
 
الصورة الرمزية لأنك تعلم !



لأنك تعلم ! - مشترك في عضوية الوسام

لأنك تعلم ! is on a distinguished road

افتراضي ( 4 - 4 )






.....


لقاء أعضاء العاصمة ..

مع الأستاذ الكريم /
مؤمن مأمون ديرانيه ..






ما كان يشغل الشيخ دائما من قضايا تهم الأمة ؟

عاش الشيخ رحمه الله عمره كله في قضايا الأمة ونذر لها قلمه ولسانه وعمله. علَّم الناس دينهم وكان يُصحح كل ما يراه من أخطاء أو انحرافات، مما أدخله في مواجهات مع الشيوخ الجامدين والشباب الجاحدين. ودافع عن الدين والأخلاق أمام كل عدوان أو انتهاك، فواجه في حياته كثيراً من الحملات القاسية التي شُنَّت عليه من أعداء الدين وأذنابهم. وبذل لجمع كلمة المسلمين كل ما يستطيع، فكان المُبادر في مراتٍ كثيرة لدعوة العلماء والدعاة إلى توحيد الكلمة وتجميع الجهود.
وكان دائماً سيفاً مسلولاً على أعداء الأمة الغُزاة والمحتلين وأذنابهم من أبناء الأمة الذين باعوا أنفسهم، منذ خطب الخُطبة الأولى في حياته في المدرسة ضدَّ الفرنسيين، ثم كان على رأس حركة الطُلاب ورئيس اللجنة العليا لطلاب سورية التي كانت تحرك المظاهرات وتدعو إلى الإضرابات، وتقيم البلد ضد الفرنسيين. وكان من آخر مشاركاته لقاء أجري معه حول مأساة مسلمي كُسوفو. وبقي مُنشغلاً بقضايا الأمة حتى بعد اعتزاله، يُتابع أخبارها ويتحدث بها مع أهله وإخوانه.
وبقي رحمه الله صاحب رؤية سديدة ترى الحقائق كاملة، وتُقدِّر الأمور حقَّ قدرها، وتضعها في نِصابها، وصاحب كلمة حقٍّ لا يتنازل في قول الحقِّ، فإن لم يمكنه قول الحق فلا يقول الباطل، ذلك العهد الذي عاهد عليه الله منذ نشأته، ووفّى به ومات عليه رحمه الله.





كيف كان يجمع بين شتى العلوم ؟

كان كثير من علماء المسلمين في الماضي يطرقون أكثر من علمٍ ويبدعون في كلِّ ما يشتغلون فيه. كذلك كان الشيخ يحبُّ طرق أبواب علوم مُختلفة. اشتغل بالعلوم الشرعيَّة وعلوم العربية منذ نعومة أظفاره، وقرأ من أُمَّات الكُتب في صغره ما لا يكاد يقرؤه طُلاب الدراسات العُليا في أيامنا. واشتغل بالأدب وحفظ من الشعر الكثير، واطَّلع على آداب اللغات الأجنبيَّة. وكان يحب أن يطلع على علوم مُختلفة تُعجبه منها أشياء فيأخذ منها حاجته.





كيف ربّى الشيخ أحفاده ؟

لم يبخل الشيخ بشيء من رعايته وتربيته لتلاميذه الذين علَّمهم في مراحل مختلفة من حياته ورعاهم كما يرعى الأب أبناءه، فكيف به مع بناته وأحفاده.
لم يُرزق الشيخ بأولاد، بل رزقه الله بخمس من البنات، وكان سعيداً بذلك كلَّ السعادة، راضياً كلَّ الرضى، يعبِّر عن ذلك كثيراً بقوله أن الله جعله من الصنف الأول، إشارة للآية ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾، وقد بذل كُلَّ ما أوتي لبناته وكُنَّ أغلى عليه من نفسه، وكان لأحفاده في قلبه مكانٌ كبير، لكن دون مكان بناته الذي لا يزاحمهنَّ عليه أحد، بل إن مكانة الأحفاد إنما هي نتيجة لمكانة البنات وليست مستقلة عنها، وكان يقولها صراحةً ولا يؤذينا ذلك منه.
وفعل مع أحفاده؛ خاصَّة الأوائل منهم، كثيراً مما فعل مع بناته. فأغدق علينا الكثير، وعلمنا الكثير ووجَّهنا أعظم توجيه. زرع الإيمان في قلوبنا وعلَّمنا حُبَّ العلم وكيف يُطلب العلم. لا يأتي ذكر مسألة ولا تساؤل إلا قال هات الكتاب الفلاني فراجع هذه المسألة، وإذا شككنا في ضبط كلمة أنزلنا المعاجم وراجعناها حتى نتبيَّنها.










في إحدى حواشي (مجاهد ديرانية) خبر حادثة أُصيب بها في صغره .


هذه الحادثة كانت في بيت مَصيف كان الشيخ استأجره في صيف 1963م في مضايا قرب دمشق، واجتمع فيه مع بناته وعائلاتهنَّ، بقي في ذاكرتي منها بقايا صورٍ باهتة. كانت داراً صغيرة تتقدَّمها شُرفة تعلو بستاناً بسورٍ ارتفاعه ربما كان نحو مترين، ننزل منها للبستان بسلَّمٍ خشبي، فوقع أخي مجاهد من أعلى السُّور إلى البستان وكانت سقطة شديدة أصابته بجروحٍ لكنَّ الله سلَّم.


كيف كانت علاقة زوجة الشّيخ بمؤلّفاته ؟

جدتي رحمها الله لم تكن متعلِّمة لكنها تقرأ وتكتب، وكانت ذكية جداً وطلقة اللسان في مجالسها، وقد حفظت كثيراً مما كان يتحدث الشيخ به، وكانت تتقبل برحابة صدرٍ شكل الحياة التي تُفرض على من هو مثله في العلم والأدب، وتصف طريقته غير المألوفة في تسيير أموره ومواقفه التي يخرج فيها عمَّا اعتاد الناس من عادات باطلة، تصفها مُداعبة بقولها إن الأستاذ علي عبقري وهذا شذوذ العباقرة. وكانت رحمها الله امرأة شديدة؛ فكانت عوناً له في حياته تقوم بأمر العائلة إذا سافر الأيام الطِّوال، وتعمل على إنجاز ما لا يُحسنه هو من الأعمال من شراء الحاجات وغير ذلك.



جمع الله له كلتا الحُسنيين فصار أديباً فقيهاً، متى كان ذاك؟ وما هي العوامل -بعد فضل الله- التي كانت سبباً في ذلك ؟

بالرَّغم من ظهور علي الطنطاوي القوي أديباً كاتباً في شبابه، لكنَّه لم يكن بعيداً عن الفقه والعلوم الشرعيَّة، فأبوه كان من فقهاء الشام المعروفين وأسرته أسرة علماء لا أدباء، وقد قرأ أُمَّات كتب الفقه في صغره في مجالس أبيه وفي حلقات الأموي وفي المدرسة، وهذا التَّمكن من العلم الشرعي واضح في كتاباته المُبكرة، وعلى رأسها رسائل في سبيل الإصلاح؛ التي كانت أول ما نُشر له وهو في العشرين من عمره. بعد ذلك دَرس الحقوق في جامعة دمشق وفيها كثير من الدراسة الفقهية. ثم تعمَّق في فقه الأحوال الشخصية كثيراً أثناء عمله في القضاء وعندما وضع قانون الأحوال الشخصية. وزاد فقهاً على فقه بعد استقراره في المملكة واشتغاله ببرنامجيه في الرَّائي والإذاعة وإجابته عن أسئلة المشاهدين والمستمعين، وإفتائه للسائلين في كل مكان وعلى الهاتف، ورجوعه لكل مسألة فيها لبسٌ يبحث ويُنقب فيها حتى يجلوها، وما زال يبحث ويراجع المسائل حتى آخر أيامه. واجتمعت له ثروة فقهية متميزة في مسألتين هما فقه الحجِّ وفقه المرأة المسلمة، وكان لديه حلم كتابين فيهما؛ أحدهما اسمه دليل الحجِّ والآخر دليل المرأة المسلمة. وفي كل مرَّة ساعدناه في ترتيب أوراقه كان بينها مُغلَّفان كبيران، كتب على أحدهما بالخطِّ الأسود العريض دليل الحج والآخر دليل المرأة المسلمة.
لكن الله لم يكتب للكتابين أن يتمَّا، والقصاصات التي يحتويها الظَّرفان هي رؤوس أقلام لكلام بقي في ذهنه ولا يستطيع أحد استخراجه من هذه القُصاصات.







كيف كان يرتب الشيخ الطنطاوي رحمه الله أوقاته وأعماله؟

يختلف هذا الأمر باختلاف مراحل حياته، لكنه بالجملة كان رحمه الله يعرف أولوياته ولا يجامل في وقته أبداً، فهو يعيش في الأضواء من أيام شبابه، وقد تعوَّد أن يحمل الكثير؛ يعمل لِيُعيل أسرته بعد وفاة أبيه، ويقرأ ويدرس ويشتغل بالعلم والأدب الذي هو بِضاعته ورأس ماله، ويعمل بالدعوة والعمل العام وقضايا الأمة، لكن لكل شيء وقته وحسابه، وعند الضرورة يترك ما لا يستطيعه. في أيام دراسته كان يمضي السنة كلها في كل ذلك فإذا اقترب الامتحان اعتزل الناس شهراً حتى يُنجز امتحانه. وعندما اضطر للعمل بالتدريس في القُرى، ترك نشاطات كثيرة وانتقل إلى مكان عمله وأعطاه كل جهده. وفي القضاء أغلق باب المُجاملات في المحكمة فلا يستقبل زائراً يمر عليه للتسلية ولا يفتح الباب إلا لصاحب قضيَّة. ومنذ وعيت عليه لا يستقبل أحداً إلا بموعدٍ مُسبق وعندما يقدر على ذلك، ويقول صراحة أن وقته هو رأس ماله الذي يعمل فيه، ولو فتح الباب لكل زائر لما اشتغل بعلمٍ ولما كتب صفحة، وكان لحياته برنامج يوميٌّ منتظم قلَّما يختل.
وعندما كَبُر وشاخ وضعفت همَّته عن العمل الكثير صار لديه من الوقت ما يستقبل فيه الإخوان والمُحبِّين.




الشيخ علي رحمه الله كان يقول:ولا تخشوا قول الناس ما دمتم لم ترتكبوا محرماً ولا ممنوعاً شرعياً. هل تتذكر موقفاً حصل للشيخ يتحدث عن هذا الموضوع؟

كل حياته رحمه الله تنطِق بذلك. يراقب رضا الله ولا يكترث كثيراً برضا الناس. في كل مرحلة من حياته يوجد له موقف فعل فيه ما رآه صواباً وابتغى به رضا الله، ولم يبالِ بكلام الناس وسخطهم، وكثيراً ما وجد نفسه تحت وابلٍ من سِهام الناس لأنه خالف بموقفه ما ألفوه وتعوَّدوه. رسائله المُبكرة أثارت عليه الشيوخ الجامدين، ورسائله اللاحقة أثارت عليه الشباب الجاحدين، وأُلِّفت رسائل للردّ عليه ثم عاد الذي ردَّ عليه فبرأه مما اتَّهمه به. وكم مرة نُقِل من مكانٍ إلى آخر تأديباً له على كلمة حقٍّ قالها، وكم معركة خاضها لموقفٍ حقٍّ ثبت عليه أمام حملات شديدة شُنَّت عليه، كقضيَّة معركة مجلة الرِّسالة حول قصص القرآن، وموقفه في قصة رقصة السَّماح وأمر الانفصال وكثير غيرها.





لِمَ ترك الشيخ علي بلاده؟ وهل عاد لها بعد أن تركها لأرض يحبّها رسول الله ؟

أحب الشيخ دمشق وأحب قاسيون كثيراً، وكتب عن دمشق وكتب عن قاسيون كما لم يكتب أحد عن بلده، وله كتاب كامل عن دمشق. وما خرج منها مرة إلا لأجَل وهو ينتظر العودة إليها، وما ابتعد عنها إلا لمَّا حِيل بينه وبينها. لكنه كثيراً ما قال أن دمشق التي تسكن في قلبه ليست أكرمَ من مكَّة المُكرَّمة التي كرَّمها الله، وقاسيون الذي أحبه ليس أكرم من جبل أحُدٍ الذي أحبَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان راضياً سعيداً بمقامه في مكة، وكان هذا له عزاء عن فِراق الشام.






علاقة الطنطاوي مع أنور العطّار. ورفاقه المقرّبون.

بالرَّغم من شهرة علي الطنطاوي ومعرفته الكثيرين، لكن أصحابه المُقربين لم يكونوا كُثُر. وأحدهم كان أنور العطار، الذي وصفه رحمه الله بأنه رفيق العمر وشقيق الرُّوح. فهو أحد رِفاق عمره المعدودين.
كان يقيم في حارة السمَّانية في طرف حي العقيبة الذي وُلِد ونشأ فيه علي الطنطاوي في حارة أخرى هي الديمجية وثالثتهما كانت حارة تحت المئذنة.
عرفه أول مرة في مكتب عنبر 1923م. سمع عنه أولاً من تلاميذ المدرسة أنه تلميذٌ شاعر فلم يكترث به كثيراً. ثم التقيا أول لقاء على باب المدرسة البادرائية في ليلة في رمضان، فتحادثا ثم أسمعه أنور قصيدة لشوقي ألقاها إلقاءً عذباً، فأحبه علي الطنطاوي وأحب حديثه فمشيا معاً حتى وصلا مقبرة الدَّحداح، وهناك وقف كلُّ واحدٍ منهما أمام قبر أبيه، وبدأت صحبتهما في مدينة الأموات؛ هكذا كتب عنها رحمه الله، ثم تحدث عن الأدب واليُتم وضيق الحال التي جمعت أيضاً بينهما. وترافقا في مكتب عنبر في المرحلة الثانوية، ثم في شُعبة الفلسفة.
وكان أنور هو الذي شجَّع علي الطنطاوي وحمَّسه ليذهب بمقالته الأولى إلى جريدة المُقتبس التي كانت أول مقالة تُنشر له في عمره عام 1926م.
ولمَّا عاد من مصر من زيارته الأولى 1928م بعد الثانوية كان هو الذي أخذه وقدّمه إلى الأستاذ معروف الأرناؤوط صاحب جريدة فتى العرب ليعمل معه.
وكانا رفيقين في كُلِّية الآداب 1929م. وعندما طُرِد أنور مع مجموعة من الطلاب لمخالفتهم أمر المُراقب في تلك السنة، تضامن معه علي الطنطاوي فحرّض الطلاب ودعا إلى الإضراب، فاستجابوا له وخرجوا يهتفون في الشوارع والأسواق وكانت ثورة صغيرة انتهت بعلي الطنطاوي في السِّجن ذلك اليوم.
ويوم وفاة أمه 1931م، كان أنور من المقرّبين الذين وقفوا معه واعتنوا بتغسيل أمه وتكفينها وإعداد جنازتها، بينما هو ذاهل لا يدري ما الذي حدث، حتى وقف للصلاة عليها وبدأت دموعه تجري.
بعد ذلك شاركه في التدريس في المدارس الابتدائيَّة في القُرى بعد سنة 1932م، وبعد رحلة الحجاز عندما عاد علي الطنطاوي مدرساً في المهاجرين كان هو مدرساً في الصالحية، فكان يمشي كلٌّ منهما في طريقه كل مساء فيلتقيان في العفيف ويسعدان بهذا اللقاء.
ويوم ظهرت الرِّسالة 1933م كان أنور هو الذي حمل لعلي الطنطاوي هذه المفاجأة، فدعاه للغداء في بيته وفاجأه بها.
ثم كان رفيقه إلى العراق ومعهما رفيق عمره الآخر أحمد مظهر العظمة، واجتمعا في التدريس في الثانوية المركزية في بغداد، وكانا يتبادلان الصفوف أحياناً ويخرجان معاً ويكادان لا يفترقان، وأمضيا معاً هناك أياماً من أجمل الأيام.
في عام 1948م كتب علي الطنطاوي لأنور العطار مقدمة ديوانه ظلال الأيام بعد طول انتظار، بعد مضي رُبعِ قرنٍ على صحبتهما.
وحلّ رحمه الله عام 1949م محلّ أنور في تدريس الأدب لطالبات الثانوية الأولى للبنات ودار المعلمات، بسبب نقله إلى وزارة المعارف في وظيفة كان يسعى لها.
ثم باعدت بينهما الأيام بعد استقرار الشيخ في المملكة في أوائل الستينات. وتوفي أنور العطار رحمه الله سنة 1972م.





(مطارحات مع علي الطنطاوي)،الكتاب الذي وعَدَ به (مجد مكي)

الأخ الفاضل مجد مكِّي كان للشيخ في سنواته الأخيرة ابناً وفياً وتلميذاً نجيباً، فكان يحرص على زيارة الشيخ ومجلسه، ولا يفوِّت فائدة في المجلس لا يُدوِّنها. وقد وفقه الله إلى جمع ما استطاع مما كتبه الشيخ من مقدمات في كتاب "مقدمات الشيخ علي الطنطاوي"، وأنتظر بشوقٍ خروج هذا الكتاب الآخر "مطارحات مع علي الطنطاوي"، وفَّقه الله إلى إخراجه وأثابه عنه .







إلى هنا ؛ ونصل وإياكم إلى ختام هذا النشاط النافع
[ أديب الفقهاء وفقيه الأدباء , سيــرة ولقـــاء .. ]



مضى عليِّ , أديب الفقه , شيَّعه
حب عظيم وآلام نداريها

وشيَّعته نفوس طالما شربت
من نبع حكمته ماكان يُرويها

وشيَّعته قلوب نبضها أمل
في الله أن يسكن الجنَّات باغيها ..

اللهم أسكن الجنَّات باغيها ..
رحم الله شيخنا الأديب علي الطنطاوي وجمعنا به في فردوسه الأعلى ..

شكر و تقدير ودعوات للأستاذ الفاضل /
مؤمن مأمون ديرانية القائم على الموقع الرسمي للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله
http://www.alitantawi.com/

على ماخص به العاصمة من سيرة عطره لشيخنا علي الطنطاوي رحمه الله تعالى
وعلى إتاحته لفرصه اللقاء والتعرف أكثر على حياة شيخنا رفع الله درجته

نسأل الله ان لايحرمه الأجر والثواب وأن يجمعنا به وشيخنا في ظله يوم لاظل إلا ظله ..
نفع الله به وبما قدم وزاده علماً وفقهاً



[ كما نتقدَّم بالشكر الجزيل , المحمّل بباقات الشكر والإمتنان للإخوة المشرفين على ربى العاصمة في الفترة الإشرافيّة السابقة , فقد كان لهُم الفضلُ بعد الله في إخراج هذا النشاط بهذا الشكل , أسأل الله جلَّ في علاه أن يُجزل لهم العطاء والمثوبة , وأن يجزيهم عنَّا خير الجزاء , فلهم شُكرٌ بلا حدّ , وامتنانٌ بلا مثيل , لم يكن علينا سوى طرحه .. أمّا هُم ؛ فـ عملوا طوال عامٍ كامل , - هي المدة التي استغرقها اعداد العمل - ليخرج لنا هذا النشاط الذي أسأل الله أن يجعلهُ حجَّةً لنا لا علينا ] .

[ هبّ النسيم , أم الأسامة , المنطلق , بنت طيبة ] ..

سنظلُّ نحترفُ شكركم ما حيينا ! فلكم فضل عظيم .





إخوانكم
مشرفو العاصمة :




لأنك تعلم ! غير متواجد حالياً  
قديم 25-11-2007, 01:08 PM   #5
غريبة الديار
عضوية الوسام
 
الصورة الرمزية غريبة الديار



غريبة الديار - مشترك في عضوية الوسام

غريبة الديار is on a distinguished road

افتراضي


لم اتوقع أني سأصل إلى النهاية بهذه السرعة ..
سيرة جداً رائعه ومتميزه , ومفيدة لنا في حياتنا لنتزود منها


عاش الشيخ رحمه الله عمره كله في قضايا الأمة ونذر لها قلمه ولسانه وعمله. علَّم الناس دينهم وكان يُصحح كل ما يراه من أخطاء أو انحرافات، مما أدخله في مواجهات مع الشيوخ الجامدين والشباب الجاحدين. ودافع عن الدين والأخلاق أمام كل عدوان أو انتهاك، فواجه في حياته كثيراً من الحملات القاسية التي شُنَّت عليه من أعداء الدين وأذنابهم .



ألا نقف مع هذه لنعلم أن كل من سلك طريق الحق سيواجه العقبات


لم يُرزق الشيخ بأولاد، بل رزقه الله بخمس من البنات، وكان سعيداً بذلك كلَّ السعادة، راضياً كلَّ الرضى، يعبِّر عن ذلك كثيراً بقوله أن الله جعله من الصنف الأول، إشارة للآية ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾، وقد بذل كُلَّ ما أوتي لبناته وكُنَّ أغلى عليه من نفسه،


يالله
بل وهبه تلاميذ كنّ له أبر وأوفى


جزاكم الله خيراً إشراف العاصمة على هذه السيرة وهذا اللقاء الممتع .