حين كتبت "رسائل العشاق" كنت أعيش الصورة عن قرب، أراقب الأبطال وأنا أبتسم، أرحل معهم برغم كل شيء، كنت وقتها شاباً. لكن حين كتبت مقدمة "نبضي أحمر" كان الأمر مختلفاً، فهنا تختلف الدلالات، أصارع نفسي فأغلبها وتغلبني، ويحكمني عقل وشرع، ويقتلني حنين وواقع ، كنت ناضجاً تجاوزت الأربعين، أباً ومربياً ومديراً، وكانت أوراقي الصفراء تؤذن بالرحيل.
في "نبضي أحمر" أثبت وأنفي، أثبت وأهرب، هل لازال نبضي أحمر برغم كل المتغيرات؟، هل بقيت العواطف والمواقف مصبوغة باللون الأحمر؟، تغيرت لوحة الألوان برغم انتشار الدم، وافتقدت الصدق والشعور بالبطولة.
حين ازداد الدم توقف النبض أو خبا، خلت أنه انتهى لشدة سكونه، لكنه كان يرفض كل مخالفة وإن رفعت ذات الشعار الذي يطربه، الأمور تزداد تعقيداً، وذكريات الأمس الطاهرة أصبحت في خطر من تلوث صورها، ومع غياب العقل توقف الضخ الرتيب النقي ليحل محله سعار ترفضه أوردة تمتد من شرق الأرض إلى غربها لتربط أصحابها بعقيدة نست الألوان والأنساب.
في "نبضي أحمر" أعيش مع المبدأ في صورته الصادقة المحبة للبشرية، الباذلة من أجلهم، يفرح فيها الإنسان بمسلم جديد ينجوا من وثنيته، ويأنس لذكرى شخص قاسمه الطريق والكفاح، بعيداً عن التوتر والاتهام وسفك دماء على أعتاب الخلاف والمصالح.
مع الأيام اختلطت ذاكرتي تماماً كأوراقي، بقيت مسوداتي المدونة من أكثر من عقد عصية على التعديل، عدت لها مرة بعد مرة لأقف أمامها وأقلبها ثم أتركها على حالتها الأولى، كأن حروفها التي كتبت بها تأبى الالتحام مع أحرف دخيلة، وكأنني أحمل روحاً من عالمٍ آخر عجزت عن الاندماج مع المتغيرات.
لا أفهم أو لا أهتم بالفلسفات السياسية، عشقت النص وارتبطت بالدليل، مواقف السنة أسهل بكثير من شروحات الكثير لها، وكلما تقدم العمر بي ازددت حباً للتأصيل وإيماناً بالدليل، ومن هنا توقفت عن النشر خوفاً من أن يطير جاهل بكلمة ليعطي حكماً خاطئ بناءً على فهمه، لكنني وأخيراً قررت النشر ليأخذ الصوت الهادئ مسراه في قلوب الأحرار عسى أن يكون عزاءً لهم وبرداً.
قارئ العزيز، بين يديك "نبضي أحمر" أبطاله قضوا في وقت السكون، مع ساعات الفجر الأولى وسد معظمهم بثيابه المضمخة بالعبير، تشم في أكفهم بقايا البارود والمسك، وتلمح في ملامحهم أثر ابتسامة وتعب، وهنا قصاصات سجلها خيال خاف من الشرود، ليست سيراً ذاتية، ولكنها قصاصات قلب.

عبدالله بن علي السعد
الدمام
1436هـ