تحتاج " الذاكرة " لأكثرَ من رحيل؛ لتمحى أثارُّ " اللقاء" من عليها ؛ إن أنجع تِلك السُبل هو محوها عن بكرةِ أبيها؛ أن تنظر للحياة بعيني طفلٍ شغوف لا يعرفُ شيء ومع ذا هو أكثر معرفة من أكثر العارفين. الرحيل الذي يظهرُ ثقله عليك ليس إلا لقاءً ممتداً بالماضي الذي تعيشه على مدار الساعة، إنهُ رحيل مصطلحي، تقول هذا رحيل وهو في الحقيقة " لقاءُّ " من نوع خاص، لا انقطاع لهُ، لقاء في القلب الذي عُجن بهذا الارتباط مُذ " البداية " . إن كل لقاء منطوٍ على فراق، وكل فراق منطو على لقاء، ذا ما عرفتهُ، وهو الطريق الذي وصلَ بيني وبين ذاتي، الطريق الذي أراني كل مُنتمٍ ليّ، وأسمعني صوتَ السلالة الناطق بدمي.

تحتاج " الذاكرة " أكثر من لقاء لتتذكر، كثير ما نلقاهُ، وقليل ما نتذكره، إن الماضي بالمعنى الذي يعرفهُ الناس هو اللحظات التي يعرفون أنها موجودة في حياتهم الآنية مع أنها سابقة للعهد الذي تعاش فيه الآن، لكن الماضي أوسع من ذلك بكثير، إنهُ صورة للحياة في وقت انقضى، وجاء وقت آخر ليحمل صورتها على وجوه أخرى ، وتفاصيل جديدة تبثُ الحركة في الموجودات التي تتعامل مع كم كبير من المُختلفات . إن الماضي الذي أتذكرُ فيه نفسي جميل إذ هو ممتد بين ما أنا عليه ، وبين ما كنتهُ في السابق ، هذا الامتداد يجعل للحاضر أنواراً، و ألواناً ، تزهو بقلبي، وترفعهُ لأعلى الرتب ؛ أن يكونَ الحُب في جوهره، و يترك بما عداهُ من الأشياء صورته فتنتمي له، ويجتمعان بطينة واحدة. اجمع ذكراك من الذاكرات التي سكنت قلبك، وبثها في المدى، أنظرَ لك في مناظرٍ شتى، في أجسادٍ أخرى، في أشجارٍ ومروج، في ينابيع و أنهار ، ثم أسمع صوتك في كل صوتٍ سمعته، تعود لقلبك، ويعودُ قلبك نابضاً في كل شيء عرفته عنك، في كل ما لمسته في الأشياء، وفي أزهار القلب تنبتُ من كل " جميل " مرّ بك. تنصهرُ الذاكرة فيَّ، تتوزع على جسديّ، وتنتشرُ في صدري الشاسع، هي جزء من مجراته وكواكبه، من كينونته، وتكونه ، من الحيوات المبثوثة فيه، ومنيَّ في كل ما عداني . أسيرُ للحب، ويسير الحُب إليّ؛ كلنا جسد يعودُ إلى وطنه، إلى نشأته، إلى الدفء الذي بثه في العالمين، إلى نبضه في قلوبٍ أخرى.